أكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن الأزمات المتكررة بين الحكومة الفلسطينية والنقابات لم تعد تُحل عبر “اتفاقيات مؤقتة” أو حلول ترحيلية، مشددًا على أن المرحلة الحالية تتطلب حوارًا وطنيًا شاملًا تشارك فيه الحكومة والنقابات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، لمواجهة الأزمة الاقتصادية والسياسية التي يعيشها الفلسطينيون.
وأوضح حرب، خلال حديث لبرنامج صوت البلد مع ايها الجريري، أن الحكومات المتعاقبة كانت توقّع اتفاقيات مع النقابات بهدف “ترحيل الأزمات” لا تنفيذ الحلول فعليًا، فيما كانت النقابات تعتبر تلك الاتفاقيات إنجازًا رغم معرفتها المسبقة بعدم تطبيقها، ما أدى إلى دوامة مستمرة من الإضرابات والأزمات.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بحقوق موظفي القطاع العام، بل تشمل أيضًا العاملين في القطاع الخاص الذين تضرروا بشدة خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ وصول حكومة بنيامين نتنياهو الأخيرة، وما رافقها من إجراءات إسرائيلية قال إنها تستهدف “إنهاء الوجود الفلسطيني وإضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود”.
ودعا حرب إلى العمل على ثلاثة مسارات رئيسية، أولها ضمان حقوق المواطنين بالحصول على الخدمات الأساسية، وثانيها إطلاق حوار جدي بين الحكومة والنقابات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وثالثها مواجهة الضغوط الإسرائيلية وطنيًا عبر تعزيز الصمود المجتمعي.
وأكد أن النقابات المهنية تمتلك وزنًا مجتمعيًا كبيرًا، ويجب ألا يقتصر دورها على تحسين أوضاع منتسبيها فقط، بل أن تكون شريكًا في التفكير بحلول للأزمة الوطنية والاقتصادية العامة، مشيرًا إلى تجربة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لعب دورًا محوريًا في حماية الاستقرار في تونس خلال السنوات الماضية.
وبيّن أن هناك أربعة أطراف رئيسية يجب أن تتحمل مسؤولياتها في المرحلة الحالية، وهي الحكومة، والنقابات، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، مؤكدًا أن جميع هذه الأطراف تعمل في إطار “الخدمة العامة” وهدفها الأساسي يجب أن يكون تعزيز صمود المواطنين الفلسطينيين وضمان الخدمات الأساسية لهم.
وحذر حرب من استمرار تراجع الخدمات التعليمية والصحية نتيجة الإضرابات والأزمات الاقتصادية، موضحًا أن الفاقد التعليمي المتراكم بسبب جائحة كورونا وإضرابات المعلمين والأوضاع الاقتصادية الصعبة “يتحمله المستقبل الفلسطيني بالكامل”. كما أشار إلى أن أزمات القطاع الصحي تدفع المواطنين نحو القطاع الخاص بتكاليف مرتفعة، أو تمنعهم من تلقي العلاج أصلًا.
كما انتقد غياب حالة “الاستنفار الحكومي” لمواجهة الأزمة الاقتصادية، معتبرًا أن الحكومة مطالبة بإطلاق حوار وطني علني ومفتوح مع جميع الأطراف، إلى جانب خطاب مباشر من رئيس الوزراء يوضح الحقائق للفلسطينيين ويطرح رؤية واضحة للحلول الممكنة.
من جهته، أكد النقابي الفلسطيني محمود زيادة أن استمرار الأزمات والإضرابات يعود إلى غياب حوار حقيقي قائم على العدالة الاجتماعية وتقاسم الأعباء بشكل عادل، معتبرًا أن السياسات الحالية “تنتج الأزمات بشكل متكرر دون معالجة جذورها”.
وقال زيادة إن الموظفين والنقابيين لا يلجؤون إلى الإضرابات بدافع الرغبة، بل بسبب شعورهم بعدم وجود حلول حقيقية، مؤكدًا أن العاملين في القطاعات المختلفة “ليسوا سعداء بتعطل الخدمات أو توقف العمل، لكنهم يشعرون بأنهم مضطرون لذلك”.
وشدد على ضرورة إعادة بناء حركة نقابية موحدة تتعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية بنظرة شمولية، لا من زاوية فئوية أو مطلبية ضيقة، داعيًا إلى حوار اقتصادي اجتماعي شامل تشارك فيه النقابات والبلديات والغرف التجارية والحكومة، ويكون “مفتوحًا ومرئيًا ومراقبًا من الجمهور”.
وأكد زيادة أن الشفافية والمساءلة ومشاركة المواطنين في النقاشات العامة تمثل المدخل الأساسي للخروج من الأزمة، محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاجتماعي والصحي والاقتصادي، في ظل ما وصفه بـ”الواقع السياسي والاقتصادي المركب والمعقد”.

