تتفاقم معاناة آلاف العائلات النازحة من مخيمات شمال الضفة الغربية، في ظل استمرار ابتعادها عن منازلها لأشهر طويلة، وما يرافق ذلك من أزمات متشابكة تتعلق بالسكن وبدلات الإيجار والصحة والتعليم وفقدان فرص العمل، إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن تشتت الأسر وغياب الإحساس بالأمان والاستقرار.
وفي شهادات لنازحين وممثلين عن اللجان الشعبية، برزت صورة قاسية للحياة اليومية التي تعيشها عائلات اضطرت إلى مغادرة مخيماتها والانتقال إلى مساكن مؤقتة في المدن والقرى والبلدات المحيطة، فيما يتركز المطلب الأساسي للنازحين على العودة إلى منازلهم، أو توفير حلول سكنية ومعيشية تضمن لهم حياة كريمة إلى حين تمكنهم من العودة.
نحو 500 يوم خارج المنزل
ويقول أحد النازحين من مخيم نور شمس، شكري حسين غنايم، إن أسرته تعيش خارج منزلها منذ ما يقارب 500 يوم، مشيراً إلى أن العائلة مرت خلال فترة التهجير بخمسة أعياد بعيداً عن بيتها.
ويرفض غنايم الاكتفاء بوصف ما جرى بأنه “نزوح”، قائلاً إن أهالي المخيم يشعرون بأنهم تعرضوا للطرد والتهجير من بيوتهم، وإن ذلك أدى إلى تفكك النسيج الأسري والاجتماعي الذي كان يميز المخيم.
وأوضح أن العائلات التي كانت تعيش متقاربة داخل نور شمس بات أفرادها موزعين بين طولكرم وضواحيها وبلداتها، بحيث يعيش الأب في مكان وأبناؤه في مناطق أخرى، الأمر الذي ألقى بأعباء نفسية واجتماعية إضافية على الأسر.
وأضاف أن الأولويات بالنسبة للعائلات النازحة لم تعد تقتصر على المساعدات الغذائية، وإنما تشمل بدل الإيجار والرعاية الصحية والتعليم والمسكن الآمن وتوفير الاحتياجات المنزلية الأساسية، مؤكداً أن الكثير من العائلات غادرت منازلها من دون أن تتمكن من أخذ ممتلكاتها معها.
وقال إن النازح يجد نفسه أمام مسؤوليات أسرية كبيرة في الوقت الذي فقد فيه مصادر الاستقرار والدخل، متسائلاً عن قدرة رب الأسرة على دفع رسوم المدرسة أو الجامعة أو توفير الغذاء والملابس في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
مطالب بتأمين العودة والسكن
وطالب غنايم الجهات الرسمية وغير الرسمية والمؤسسات الدولية بالعمل على إعادة النازحين إلى منازلهم في مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين، وتوفير مساكن بديلة للعائلات التي تعرضت منازلها للهدم أو التجريف ولم يعد بالإمكان العودة إليها.
كما دعا إلى تأمين بدل إيجار منتظم والرعاية الصحية والتعليمية والمساعدات المعيشية للعائلات طوال فترة النزوح، معتبراً أن ما تم تقديمه حتى الآن لا يغطي الاحتياجات الفعلية للأسر.
وأكد أن “الصمود يحتاج إلى مقومات”، وأن استمرار العائلات في ظروف النزوح من دون مصادر دخل أو سكن مستقر يضاعف الأعباء عليها، خصوصاً في ظل عدم قدرة الكثير من أرباب الأسر على العودة إلى أعمالهم.
النساء.. فقدان الخصوصية والأمان
ولا تقتصر تداعيات النزوح على الجانب الاقتصادي، إذ تتحدث نساء نازحات عن فقدان مساحات الأمان والخصوصية التي كانت توفرها منازلهن داخل المخيم.
وتقول ندى، وهي نازحة من مخيم نور شمس، إن عائلتها تعيش في حالة من “القلق المزمن”، وإن التفكير في موعد العودة إلى المنزل أصبح جزءاً من تفاصيل حياتها اليومية.
وأضافت أن المنزل الذي انتقلت إليه الأسرة لا يتناسب مع احتياجات أفرادها، موضحة أنهم يقيمون في طابق خامس من دون مصعد، فيما يعاني والدها ووالدتها من ظروف صحية تجعل صعود الدرج أمراً بالغ الصعوبة.
وأشارت إلى أن العائلة خرجت من منزل “كامل ومتكامل” إلى مكان اضطرت فيه إلى البدء من جديد وتأمين الاحتياجات الأساسية تدريجياً، فيما لا يزال الخوف قائماً بشأن مصير منزلها في المخيم واحتمال تعرضه لمزيد من الضرر.
وقالت إن أكثر ما تفتقده هو الراحة والطمأنينة والجلوس في ساحة منزلها، مؤكدة أن مطلب النساء والأمهات النازحات في المقام الأول هو العودة إلى بيوتهن واستئناف حياتهن بصورة طبيعية.
11.8 ألف نازح من مخيم نور شمس
من جانبه، قال رئيس اللجنة الشعبية في مخيم نور شمس نهاد الشاويش إن ثلاث مخيمات في شمال الضفة تعيش أزمة نزوح، وهي نور شمس وطولكرم وجنين.
وبحسب الأرقام التي قدمها الشاويش، يبلغ عدد النازحين من مخيم نور شمس نحو 11,800 شخص، يمثلون قرابة 2,380 عائلة، توزعوا داخل مدينة طولكرم وقرى وبلدات المحافظة، إضافة إلى عائلات انتقلت إلى مناطق خارج المحافظة.
وأوضح أن الكثير من هذه العائلات غادرت منازلها وهي لا تمتلك سوى الملابس التي ترتديها، وهو ما جعل احتياجاتها تشمل تقريباً جميع جوانب الحياة.
وأشار إلى أن تلك الاحتياجات تختلف من أسرة إلى أخرى، وتشمل أرباب الأسر والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة وطلبة المدارس والجامعات، إلا أن ملف الإيواء يبقى في مقدمة الأولويات.
أزمة بدل الإيجار
وقال الشاويش إن النازحين أقاموا في بداية الأزمة في مراكز إيواء داخل جمعيات ونوادٍ ومدارس، قبل العمل على إخراجهم منها ونقلهم إلى مساكن مستأجرة، بسبب ما قد يترتب على الإقامة الجماعية الطويلة من تداعيات صحية واجتماعية وإنسانية.
وأضاف أن اللجان الشعبية والمؤسسات المحلية عوّلت على توفير مساعدات منتظمة لدفع الإيجارات، إلا أن ما وصل إلى العائلات، وفق قوله، لم يكن بالمستوى المطلوب.
وأوضح أن العائلات تلقت، قبل نحو 16 شهراً بحسب شهادته، دفعة واحدة بقيمة 3 آلاف شيكل بدل إيجار، إلى جانب مساعدات نقدية وإغاثية وصلت في فترات متفرقة، لكنها لم تشكل حلاً مستداماً لمشكلة السكن.
ويرى الشاويش أن تأمين منزل للعائلة النازحة يرتبط مباشرة بكرامتها واستقرارها، مؤكداً أن “البيت هو أمن الإنسان”، وأن استمرار تأمين بدل الإيجار يجب أن يكون من أهم مسارات الاستجابة للأزمة.
البطالة تضاعف الأزمة
وأشار رئيس اللجنة الشعبية إلى أن فقدان العمل يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه العائلات النازحة، موضحاً أن نسبة كبيرة من سكان المخيم تعتمد في دخلها على العمل داخل إسرائيل أو على الوظائف الحكومية.
وقال إن نحو 70% من سكان المخيم يعتمدون أساساً على العمالة داخل إسرائيل وفق تقديراته، وإن توقف هذه العمالة انعكس بصورة مباشرة على قدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها اليومية.
وشدد على أن إيجاد فرصة عمل لرب الأسرة قد يكون أكثر استدامة من المساعدات المؤقتة، لأنه يمنحه دخلاً يستطيع من خلاله تلبية احتياجات أسرته، ويخفف في الوقت ذاته الضغوط النفسية والمشكلات الاجتماعية المرتبطة بالعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية.
لجان طوارئ منذ الأيام الأولى
وأوضح الشاويش أن اللجان الشعبية تحركت مع بداية النزوح وشكلت لجان طوارئ موزعة على مختلف المناطق التي استقبلت العائلات، وبدأت بإجراء حصر للنازحين وأماكن إقامتهم واحتياجاتهم.
وأضاف أن العمل شمل بناء قاعدة بيانات للعائلات ومتابعة احتياجاتها بصورة يومية، وتوفير الفرش والأغطية ووسائل التدفئة والأدوات المنزلية والمساعدات الغذائية بحسب الإمكانات المتاحة.
كما عملت اللجان، وفق الشاويش، على التنسيق للحصول على الأدوية لبعض المرضى، وتنفيذ برامج تمكين لعدد من الأسر من خلال مشاريع صغيرة، إضافة إلى برامج للعمل مقابل المال بالتنسيق مع وكالة الغوث والمؤسسات ذات العلاقة.
وأشار إلى أن هذا العمل تم بالتعاون مع المجالس القروية والبلديات والوزارات والمؤسسات المحلية، مؤكداً أن التعامل مع قضية النازحين لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الإغاثي، وإنما يجب أن يتضمن برامج قادرة على تثبيت العائلات ومساعدتها على الاستمرار.
الصحة والتعليم ضمن أكثر الملفات إلحاحاً
وتظهر الشهادات أن الاحتياجات الصحية تشكل عبئاً كبيراً على النازحين، لا سيما كبار السن والمرضى المزمنين والأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تحتاج بعض الحالات إلى علاجات وأدوية وفحوص متكررة لا تستطيع العائلات تحمل تكلفتها.
وضرب الشاويش مثالاً بحالات تحتاج إلى علاج دوري تصل تكلفته إلى مئات الشواكل في الجلسة الواحدة، الأمر الذي يصبح شبه مستحيل بالنسبة إلى نازح فقد عمله ولا يمتلك دخلاً ثابتاً.
كما حذر من التداعيات التي قد تطال المسيرة التعليمية، مشيراً إلى وجود طلبة متفوقين من المخيم لم تعد أسرهم قادرة على تحمل تكاليف تعليمهم الجامعي.
ولفت إلى وجود 21 طالباً وطالبة من مخيم نور شمس حققوا معدلات مرتفعة وفق ما ورد في شهادته، إلا أن الظروف الاقتصادية لعائلاتهم باتت تشكل عائقاً أمام مواصلة تعليمهم.
مواقف مؤلمة داخل الأسر
وتكشف الشهادات أيضاً عن تفاصيل يومية قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشها النازحون.
وتحدث الشاويش عن عائلات عجزت عن شحن عدادات الكهرباء أو دفع ثمن المياه أو شراء أسطوانة غاز للطهي، وعن آباء يجدون أنفسهم غير قادرين على منح أطفالهم مصروف المدرسة.
وقال إن مشاهدة الطفل لزملائه وهم يشترون احتياجاتهم من مقصف المدرسة بينما لا يستطيع هو فعل ذلك تترك أثراً نفسياً واجتماعياً عميقاً، كما يشعر الأب بالعجز عندما لا يستطيع تأمين أبسط احتياجات أبنائه.
دعوة إلى خطة حكومية مؤسساتية
وفي مواجهة تشعب الاحتياجات، دعا رئيس اللجنة الشعبية إلى الانتقال من الاستجابة المتفرقة إلى برنامج عمل حكومي ومؤسساتي موحد، يجمع الحكومة والوزارات المختصة واللجان الشعبية ووكالة الغوث والجهات المحلية.
وقال إن الاستجابة الحقيقية تتطلب الجلوس إلى طاولة واحدة وتحديد الأولويات ووضع خطة عملية تبدأ بالسكن والإيواء، وتمر بتوفير العمل والرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الأساسية.
وأشار إلى أن “لجنة كرامة” في المحافظة تضم جهات من بينها اللجان الشعبية والبلديات والغرفة التجارية ووزارة التنمية الاجتماعية ووكالة الغوث، وتعمل في إطار تنسيقي لإدارة الأزمة، فيما تبقى اللجان الشعبية على تماس مباشر مع الأسر النازحة واحتياجاتها اليومية.
العودة تبقى المطلب الأول
وعلى الرغم من تعدد الاحتياجات، يجمع النازحون وممثلو اللجان الشعبية على أن تقديم المساعدات وحده لا يمكن أن يحل الأزمة ما دام النزوح مستمراً.
ويؤكدون أن إعادة العائلات إلى منازلها، متى أصبح ذلك ممكناً، ستعالج جانباً كبيراً من التداعيات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فيما تحتاج الأسر التي فقدت منازلها إلى حلول سكنية دائمة وآمنة.
وبين انتظار العودة وضغط الإيجارات وتراجع الدخل واحتياجات المرضى والطلبة، تبقى حياة آلاف النازحين من مخيمات شمال الضفة معلقة بين مسكن مؤقت وبيت غابوا عنه لأشهر طويلة، فيما تتكرر في شهاداتهم عبارة واحدة تقريباً: نريد أن نعود إلى بيوتنا ونستعيد حياتنا الطبيعية.