تعيش البلدة القديمة في نابلس ومحيطها التجاري حالة من التراجع الاقتصادي المتواصل، في ظل القيود على الحركة والتنقل، وضعف القدرة الشرائية، وعدم انتظام الرواتب، وتراجع فرص عمل العمال، إلى جانب اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهي عوامل انعكست مجتمعة على حركة الأسواق والمصانع والتجار في المدينة.
وتكشف شهادات تجار وأصحاب مصانع وممثلين عن غرفة تجارة وصناعة نابلس أن الأزمة لم تعد محصورة في انخفاض عدد الزبائن، بل امتدت إلى حجم المبيعات والإنتاج وفرص العمل، فيما تحاول مبادرات محلية ومؤسسات اقتصادية إعادة تنشيط الأسواق وتشجيع الزوار على الوصول إلى المدينة، ولا سيما البلدة القديمة التي تعد مركزاً تاريخياً وتجارياً مهماً لنابلس.
تراجع كبير في الحركة التجارية
قصي الشاهد، مدير متجر في منطقة “دخلة طولكرم” المؤدية إلى البلدة القديمة، يقول إن المنطقة كانت تاريخياً واحدة من أكثر الأسواق نشاطاً في نابلس، إلا أن الحركة التجارية فيها شهدت تراجعاً كبيراً خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على هذا السوق، بل تشمل المراكز التجارية المحيطة بالبلدة القديمة ومدينة نابلس عموماً، مشيراً إلى مجموعة من العوامل التي أدت إلى هذا التراجع، أبرزها صعوبة حركة المواطنين بين المدن والقرى والمخيمات والمحافظات.
كما أشار إلى أن عدم انتظام الرواتب في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تراجع فرص العمل، خصوصاً للعمال، انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وقال إن هذه العوامل تراكمت لتنتج حالة واضحة من الركود، ليس في نابلس فقط، بل في مناطق واسعة من الضفة الغربية.
تراجع الزوار يضرب الأسواق
ويشكل انخفاض عدد الزائرين لنابلس واحداً من أبرز التحديات التي تواجه تجار البلدة القديمة، إذ كانت المدينة تعتمد بشكل كبير على القادمين من المحافظات المختلفة ومن فلسطينيي الداخل.
وبحسب الشاهد، فإن بعض المبادرات الشبابية ساهمت في استقطاب حافلات وزوار من الداخل الفلسطيني، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع، ما ساهم في استعادة جزء من الحركة التجارية.
وأشار إلى وجود جهود مشتركة بين التجار والغرفة التجارية وبلدية نابلس ومبادرات شبابية بهدف إعادة إحياء الأسواق القديمة والمداخل التجارية المؤدية إلى البلدة القديمة.
ووصف الشاهد البلدة القديمة بأنها “كنز لنابلس ولفلسطين”، داعياً إلى استثمارها بصورة أفضل من خلال مشاريع تنموية وحملات تسويقية أوسع.
القدرة الشرائية تتراجع
وأوضح الشاهد أن المستهلك الفلسطيني أصبح أكثر حرصاً في الإنفاق، نتيجة الظروف الاقتصادية، وأن الأولويات تغيرت بصورة واضحة.
وأضاف أن العائلات أصبحت تركز إنفاقها على الاحتياجات الأساسية، خاصة متطلبات الأطفال والمدارس، فيما يؤجل الأب أو الأم شراء احتياجاتهما الشخصية لتوفير ما يحتاجه الأبناء.
كما لفت إلى أن الزبائن الذين اعتادوا الوصول إلى نابلس من مناطق أخرى أصبح بعضهم عاجزاً عن ذلك بسبب صعوبة التنقل، وهو ما أدى إلى خسارة شريحة مهمة من الزبائن الدائمين.
وأكد أن هذه الظروف كانت موجودة بدرجات متفاوتة قبل الحرب، لكنها أصبحت أكثر حدة بعدها.
مطالب بإعفاءات وتخفيضات ضريبية
وفي ظل هذا التراجع، دعا الشاهد إلى إجراءات اقتصادية تساعد التجار في البلدة القديمة ومحيطها، بينها تخفيضات أو إعفاءات ضريبية مؤقتة.
وأشار إلى إمكانية تخفيف ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة وضريبة المهن، ولو بشكل جزئي أو لفترة محددة، بهدف دعم صمود التجار الذين تأثروا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
كما شدد على ضرورة تكثيف الحملات التسويقية والمشاريع التنموية التي تعيد للبلدة القديمة مكانتها الاقتصادية والسياحية والتجارية.
المصانع تواجه أزمة سلاسل التوريد
ولا تقتصر الأزمة على الأسواق، إذ تواجه المصانع الفلسطينية تحديات إضافية تتعلق بالمواد الخام وسلاسل التوريد.
وفي شهادة من أحد مصانع نابلس، أوضح مسؤول العلاقات العامة والإعلام في مصنع الراجح للمواد الكيماوية أن القطاع الصناعي تأثر بشكل كبير منذ اندلاع الحرب، بسبب الاعتماد على مواد خام ومكونات مستوردة من الخارج.
وقال إن سلاسل التوريد تعرضت لانقطاعات وتأخيرات متكررة، سواء عبر الحدود الأردنية أو الموانئ أو مسارات التوريد المختلفة، ما انعكس على الإنتاج والأسعار.
وضرب مثالاً بتأخر الشاحنات لفترات طويلة على المعابر، الأمر الذي يؤدي إلى رفع تكلفة الشحن والتخزين، ثم ينعكس في النهاية على تكلفة المنتج.
وأضاف أن المصنع يعتمد على موردين من أكثر من 10 إلى 12 دولة للحصول على المواد اللازمة لإنتاج منتجاته المختلفة.
منتج واحد يحتاج مواد من عدة دول
وأوضح أن بعض المنتجات، مثل سائل الجلي، تحتاج إلى مكونات يتم الحصول عليها من عدة دول، وأن غياب مكون واحد قد يؤدي إلى توقف إنتاج المنتج بالكامل أو البحث عن بديل أكثر تكلفة.
وأشار إلى أن اضطراب طرق الإمداد وارتفاع أسعار المواد الخام أديا في بعض الحالات إلى مضاعفة أسعار بعض المدخلات أكثر من مرة.
وأكد أن المصنع يحاول الالتزام بالمواصفات والجودة وعدم تخفيضها لتقليل الكلفة، حتى لو اضطر إلى وقف منتج معين مؤقتاً، لأن أي تغيير في المواصفات قد يؤثر على سلامة المستهلك وجودة المنتج.
الحفاظ على العمال أولوية
ورغم تراجع النشاط الاقتصادي، قال مسؤول المصنع إن الإدارة حاولت قدر الإمكان عدم الاستغناء عن العمال.
وأوضح أن المصنع لجأ في بعض الفترات إلى تقليص ساعات العمل الإضافي، لكنه تجنب تسريح الموظفين، مشيراً إلى وجود عمال وموظفين يعملون في المنشأة منذ عشرات السنوات.
وأكد أن الحفاظ على الوظائف يشكل مسؤولية اجتماعية واقتصادية، خصوصاً في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
وأشار إلى أن المنشأة تحاول أحياناً الإنتاج بأكثر من حاجتها طالما توفرت المواد الخام، بهدف الحفاظ على استمرارية العمال في وظائفهم.
المحروقات تضيف عبئاً جديداً
ومن بين التحديات الأخرى التي تواجه القطاع الصناعي نقص المحروقات وارتفاع أسعارها.
وأوضح مسؤول المصنع أن بعض فترات انقطاع الديزل والبنزين أثرت على عمليات نقل البضائع، واضطرت المنشأة أحياناً إلى تشغيل جزء فقط من أسطول النقل المتاح.
وقال إن هذا النوع من التغيرات يجعل من الصعب على المؤسسات وضع خطط استراتيجية وتسويقية مستقرة، لأن التكاليف والظروف المحيطة تتغير باستمرار.
القطاع الخاص “الركيزة الأخيرة”
وفي وصفه للوضع الاقتصادي، قال مسؤول المصنع إن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد على ثلاث ركائز رئيسية: الوظيفة الحكومية، والعمالة داخل إسرائيل، والقطاع الخاص.
وأشار إلى أن الرواتب الحكومية تعاني من أزمات مستمرة، فيما تراجعت العمالة داخل إسرائيل بصورة كبيرة، وهو ما يجعل القطاع الخاص يتحمل عبئاً متزايداً في الحفاظ على دورة الاقتصاد.
ووصف القطاع الخاص بأنه “الحصن الأخير” للاقتصاد الفلسطيني، مطالباً الحكومة باتخاذ خطوات لدعمه، لا سيما في ملفات المنافسة والاستيراد والبنوك والسيولة.
كما اشتكى من وجود منتجات مقلدة تنافس بعض المنتجات المحلية، إضافة إلى أزمات مالية مرتبطة بالبنوك وأسعار العملات والتحويلات.
غرفة التجارة: ركود وانكماش واضح
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة نابلس والمتحدث باسمها إن التأثير على الاقتصاد في المحافظة كان كبيراً، خصوصاً بعد الحرب وتشديد القيود على الحركة.
وأوضح أن الحواجز المحيطة بالمدينة أثرت على دخول وخروج الزوار والمركبات التجارية، سواء لنقل البضائع المصنعة أو المواد الخام.
وأضاف أن الشكاوى التي تصل إلى الغرفة تشمل مختلف قطاعات القطاع الخاص، من التجارة والاستيراد إلى الخدمات والصناعة.
ولخص الأزمة في تراجع عدد الزائرين والمستهلكين والمبيعات والأرباح، مقابل ارتفاع الالتزامات والتكاليف.
وأشار إلى أن هذا الوضع تسبب في حالات تعثر لدى عدد كبير من التجار والمؤسسات.
جفاف السيولة يضغط على الاقتصاد
وبحسب ممثل الغرفة التجارية، فإن الأزمة الاقتصادية ترتبط أيضاً بتراجع السيولة في السوق نتيجة مشكلات أموال المقاصة وعدم انتظام الرواتب وتوقف نسبة كبيرة من العمال عن العمل داخل الخط الأخضر.
وقال إن هذه العوامل أدت إلى ما وصفه بـ”جفاف السيولة”، وهو ما انعكس على مختلف فئات المجتمع والقطاع الخاص.
وأكد أن الغرفة التجارية ليست جهة تنفيذية، لكنها تعمل كحلقة وصل بين التجار والمؤسسات الرسمية، وتتابع الشكاوى وتحاول المساعدة في إيجاد حلول لها.
“يلا على نابلس” لمحاولة كسر الركود
ومن أبرز المبادرات التي أطلقتها الغرفة التجارية حملة “يلا على نابلس”، بهدف إعادة تسويق المدينة وتشجيع الزوار على الوصول إليها.
وأوضح ممثل الغرفة أن الحملة ركزت على إبراز ميزات نابلس الاقتصادية والسياحية والتراثية، واستهدفت الزوار من المحافظات الأخرى ومن فلسطينيي الداخل.
وأضاف أن الحملة استخدمت وسائل الإعلام المختلفة لنشر رسائل وفيديوهات تشجع على زيارة نابلس، مشيراً إلى أن عدد الزوار بدأ يتحسن تدريجياً مقارنة بالفترات السابقة.
ويرى القائمون على المبادرة أن زيادة عدد الزوار تنعكس بشكل مباشر على الحركة التجارية والأسواق والمطاعم والمحال والمصانع والخدمات.
دعوات لدعم المنتج المحلي
وتولي غرفة التجارة أهمية خاصة لتشجيع استهلاك المنتجات الفلسطينية.
وقال ممثل الغرفة إن المؤسسة توجه رسائل للمستهلكين بضرورة إعطاء الأولوية للمنتج المحلي عندما يكون هناك بديل فلسطيني للسلعة المستوردة.
وأكد أن دعم الصناعة المحلية يساهم في رفع الدخل القومي وتشغيل العمال والحفاظ على الوظائف وزيادة النمو الاقتصادي.
وأضاف أن المنتجات المحلية أصبحت في كثير من المجالات قادرة على المنافسة من حيث الجودة والسعر، وأن المصانع الفلسطينية طورت منتجاتها لتتناسب مع احتياجات المستهلكين.
أزمة متعددة الوجوه
وتظهر الشهادات أن أزمة اقتصاد نابلس لا ترتبط بعامل واحد، بل بمجموعة معقدة من الأسباب تشمل قيود الحركة، وضعف القدرة الشرائية، وعدم انتظام الرواتب، وتراجع العمالة، واضطرابات سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف المحروقات والمواد الخام.
في المقابل، تحاول المؤسسات الاقتصادية والمبادرات الشبابية والتجار الحفاظ على النشاط التجاري، من خلال حملات تسويق ودعم المنتج المحلي ومحاولات استقطاب الزوار وتشجيع الاستثمار.
وبين محال تفتح أبوابها يومياً رغم قلة الزبائن، ومصانع تحاول الحفاظ على عمالها رغم ارتفاع التكاليف، تبقى البلدة القديمة وأسواق نابلس أمام اختبار اقتصادي طويل، فيما يراهن التجار والمؤسسات على تنشيط الحركة الداخلية وزيادة الزوار ودعم المنتج المحلي بوصفها وسائل أساسية للحفاظ على ما تبقى من دورة الاقتصاد.