أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بتاريخ 2026/10/28، أمرين عسكريين جديدين يقضيان بوضع اليد على ما مجموعه 11.205 دونمات (11 دونماً و205 أمتار) من أراضي الفلسطينيين في محافظة جنين، بذريعة “الأغراض العسكرية”، لإنشاء محورين أمنيين في محيط مستعمرتي “غانيم” و”كاديم” اللتين أعاد الاحتلال إنشاءهما هذا العام بعد إخلائهما عام 2005.
وأوضحت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الأمر الأول يحمل الرقم ت/133/26، ويستهدف 8.645 دونمات (ثمانية دونمات و600 متر) من أراضي دير أبو ضعيف، بهدف استكمال محور أمني (منطقة عازلة) حول مستعمرة “غانيم” بطول 1800 متر، وتسميه الوثائق الإسرائيلية “المحور المحيطي لغانيم”. أما الأمر الثاني فيحمل الرقم ت/135/26، ويستهدف 2.560 دونم (دونمان ونصف) من أراضي قباطية لشق طريق أمني بطول 500 متر تقريباً، وتسميه الوثائق “محور الطوارئ لكاديم”.
وأشارت الهيئة إلى أن الأمرين يسريان حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2028، ويمنحان القائد العسكري، بواسطة الضابط المختص بشؤون وزارة الجيش، الحيازة الحصرية للأراضي المشمولة بهما”.
وتُظهر الخرائط المرفقة أن المساحات المستهدفة تتخذ شكل مسارات طولية، ما يعني أن الغاية المباشرة ليست الاستيلاء على مساحات واسعة دفعة واحدة، بل إعادة تنظيم الحركة والوصول والسيطرة على الأراضي المحيطة بالمستعمرتين.
ففي “غانيم”، يستكمل المسار الطوق الأمني الذي يلتف حول جزء من الموقع الاستعماري ويتصل بالمسالك المحيطة به، ويؤسس لمنطقة عازلة تُقيَّد داخلها حركة الفلسطينيين.
وفي “كاديم”، يمتد الطريق الأمني عبر أراضٍ زراعية تتخللها أشجار الزيتون وصولاً إلى طريق قائم. ويمكن لهذين المحورين أن يؤثرا في وصول أصحاب الأراضي إلى ممتلكاتهم، وأن يتيحا فرض ترتيبات أمنية وحركية جديدة على المناطق المجاورة.
وتكتسب الأوامر دلالتها الأوسع من ارتباطها المباشر بعودة الاحتلال إلى المستعمرات الأربع التي أُخليت شمال الضفة الغربية عام 2005، وهي “حومش” و”سانور” و”غانيم” و”كاديم”.
فقد بدأت حكومة الاحتلال بتفكيك القيود القانونية التي حالت دون عودة المستعمرين إليها، عبر تعديل قانون فك الارتباط في آذار 2023، ثم اتخذت إجراءات إضافية لإعادة إنشاء المستعمرات وتوسيع نطاقها. وفي آب 2026 عادت عائلات استعمارية للإقامة في “غانيم” و”كاديم”، أعقبها استكمال إجراءات تنظيمية وإدارية لتثبيتهما. وبذلك يندرج الأمران في مسار سياسي وتخطيطي متدرج يستهدف إلغاء النتائج الميدانية للانسحاب الإسرائيلي قبل أكثر من عقدين.
وتشير الهيئة إلى أن الخطورة الأساسية لا تكمن في مساحة الأراضي المستولى عليها وحدها، بل في الوظيفة الاستعمارية للمحورين. فالمحور الأمني في “غانيم” يستكمل نطاق تحكم يحيط بالمستعمرة بامتداد 1800 متر، بينما يوفر طريق “كاديم” مسار وصول إضافياً يحمل في تسميته صفة الطوارئ، بما يعكس دمج الاعتبارات الأمنية والعسكرية في البنية التحتية الداعمة للمشروع الاستعماري. وبهذا يتحول الموقعان من مستعمرتين أعيد إشغالهما إلى وحدتين جغرافيتين متصلتين بشبكة حركة وحماية عسكرية دائمة. ومع أن الخرائط لا تثبت وجود اتصال مباشر بين المحورين، فإن تزامن إصدارهما وتشابه وظيفتهما يكشفان عن توجه منظم لإعادة هندسة المجال الجغرافي شرق جنين بما يخدم إعادة الاستعمار الاستيطاني للمنطقة.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع توسيع النشاط الاستعماري جنوب شرق جنين، بما في ذلك إنشاء موقع “نوعا” الاستعماري في آب 2026 بالقرب من المستعمرتين المعاد إنشاؤهما. ويعزز ذلك قراءة المشهد باعتباره عملية لإعادة تشكيل الجغرافيا الاستعمارية في المنطقة، تقوم على إحياء المواقع القديمة وإضافة مواقع جديدة وربطها تدريجياً بشبكات طرق وخدمات وحماية عسكرية. وهي عملية تحمل مخاطر مباشرة على التجمعات الفلسطينية المحيطة، خصوصاً من حيث تضييق المجال الزراعي، وتقييد الحركة، ورفع احتمالات فرض مناطق عازلة أو ترتيبات وصول جديدة إلى الأراضي.

