غزة في مرايا الغياب: أرشيف فني يوثّق حياة تحت الحصار والنزوح

في ظل الحصار المستمر والنزوح القسري، أُطلق مشروع «أثر الغياب: ما الذي تبقّى، وكيف نحمله؟»، ليكون أرشيفًا فنيًا فلسطينيًا ينبثق من التجربة اليومية لسكان قطاع غزة، بعيدًا عن أي مراقبة أو تمثيل خارجي. المشروع الذي أشرفت عليه الفنانة والباحثة الفلسطينية الدكتورة هالا الناجي، بالتعاون مع مجموعة أثر الفراشة وبدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان، يضم أربعة عشر فنانًا فلسطينيًا يعيشون في مواقع مختلفة من القطاع، يعملون تحت وطأة الخطر، الجوع، والانهيار البنيوي.
لم يأتِ المشروع كرد فعل لحرب محددة، بل كنتاج شعور عميق بالفقد والحنين، ورغبة في ممارسة الإبداع والعمل من داخل حالة حداد جماعية. بحسب القائمين عليه، فإن حياة الفلسطينيين في غزة هي مسار بحثي يومي مفتوح، يسعى فيه الناس باستمرار إلى النجاة والبقاء، فيما الفنانون يوثّقون هذه التجربة ويحوّلونها إلى أثر قابل للمشاركة.
اختيار مصطلح «الغياب» بدلاً من الفقد أو الدمار، يعكس رؤية فلسفية عميقة: الغياب ليس نهاية، بل انقطاع معلّق يحتفظ بالأثر وإمكانية الاستدعاء. الغياب هنا ليس نقيض الحضور، بل شرطه؛ فالوعي بالمكان والهشاشة يبدأ حين يختفي ما اعتُبر ثابتًا.
ويعتمد المشروع على تقديم الأعمال الفنية كمادة خام تعكس تجربة الحياة تحت الحصار: صور ناقصة، أصوات متقطعة، نصوص وُلدت في لحظات خوف وانقطاع. هذه المواد ليست مجرد اختيارات جمالية، بل وثائق مباشرة لظروف الحياة نفسها، حيث تصبح المادة نفسها شاهدًا على التجربة.
إيقاع الإنتاج في المشروع يتسم بالتقطّع والعودة والصمت، بعيدًا عن منطق الإنجاز التقليدي. هذا الإيقاع يعكس واقع النزوح، حيث لا استمرارية، ولا إمكانية للتخطيط بعيد المدى، ويترك القرار الجمالي والمعرفي للفنانين داخل غزة بشأن ما يكشفونه وما يتركونه معلّقًا، حماية للتجربة من التحول إلى خطاب جاهز.
ويُقدَّم «أثر الغياب» عبر منصة عرض افتراضية متعددة الأقسام، منظمة حول خمسة محاور أرشيفية مترابطة تشكّل خريطة متكسرة لكنها متصلة للغياب والنجاة. اختيار الفضاء الافتراضي لم يكن مجرد حل تقني، بل قرارًا مفاهيميًا يتيح وصولًا أوسع، ويضمن بقاء الأرشيف مفتوحًا وقابلًا للبناء عليه لاحقًا، مع تجربة بطيئة تراهن على الإنصات والتوقف، وليس على الصدمة أو التفاعل السريع.
في زمن الإبادة، لا يدّعي المشروع قدرة الفن على إيقاف القصف، لكنه يقدم الفن كفعل صغير متكرر، يترك أثرًا، ويتحوّل مع الزمن إلى ذاكرة جماعية تقاوم المحو. المشروع هو محاولة لفهم العجز وتحويله إلى شكل ناعم من المقاومة، ومساحة للنجاة داخل الغياب المستمر، بعيدًا عن الدمار أو الفقد، مذكّرًا بأن ما تبقى… يستحق أن يُحمل.



