تواجه الصحافة الاستقصائية في فلسطين تحديات متزايدة عند محاولة فتح ملفات الفساد والانتهاكات والقضايا المرتبطة بالمال العام، في ظل صعوبة الوصول إلى المعلومات، وغياب أطر واضحة وفاعلة تضمن حق الصحفي في الحصول عليها، إلى جانب المخاطر القانونية والمهنية والشخصية التي قد تلاحق الصحفيين ومصادرهم.
وخلال حلقة من بودكاست “الورقة الناقصة”، ناقش الصحفيان الاستقصائيان أنصار طميزي ومحمد اللحام، طبيعة الدور الذي تؤديه الصحافة في كشف قضايا الفساد، والحدود الفاصلة بين التحقيق المهني القائم على الأدلة، وبين التشهير والاتهامات غير الموثقة، إضافة إلى العقبات التي تواجه الصحفيين عند التعامل مع ملفات حساسة ومغلقة.
الفرضية هي نقطة البداية
أوضح محمد اللحام أن التحقيق الاستقصائي يبدأ عادة من فرضية تنشأ نتيجة شكوك أو بيانات أو شهادات أو مؤشرات معينة، مشيراً إلى أن وجود سؤال جوهري يمكن التحقق منه، مع إمكانية الوصول إلى إجابات وأدلة، يشكل أساساً صالحاً لبدء التحقيق.
وبحسب اللحام، ليس من الضروري أن تكون الفرضية مكتملة منذ البداية، لكن يجب أن تتوافر عوامل تسمح بطرح سؤال جوهري يمكن البحث عن إجابة له والتحقق من نتائجه.
من جهتها، أكدت أنصار طميزي أن إمكانية إثبات الفرضية بالأدلة والوثائق والشهادات تمثل نقطة أساسية في اختيار القضية، إلى جانب حجم الانتهاك وعدد المتضررين وحجم الأموال العامة التي قد تكون محل شبهة هدر أو فساد.
وضربت طميزي مثالاً بتحقيق تناول تهريب الذهب إلى فلسطين، موضحة أن القضية لم تكن مجرد مخالفة تجارية، بل ارتبطت، وفق ما ورد في التحقيق، بكلفة يتحملها المستهلك الفلسطيني نتيجة عمليات التهريب، الأمر الذي جعل القضية ذات أثر مباشر على الجمهور.
بين الشبهة والفساد المثبت
أجمع الضيفان على أن وجود الشائعات أو الادعاءات لا يكفي لتحويلها إلى مادة صحفية، إذ يجب على الصحفي أن ينتقل من مرحلة الاشتباه إلى مرحلة التحقق وجمع الأدلة.
وأوضح اللحام أن الصحفي يعمل في بيئة مليئة بالادعاءات والتقولات، ولذلك عليه التعامل معها بحذر، والبحث عن الأدلة والشواهد التي يمكن أن تسند المعلومات، مع ضرورة الانتباه إلى الجانب القانوني المرتبط بالنشر.
وشدد على وجود فرق جوهري بين الادعاء والمعلومة المسندة إلى أدلة، وبين نشر اتهامات اعتماداً على مصادر مجهولة أو انطباعات عامة.
كما أكد أهمية أن يمتلك الصحفي وعياً قانونياً يساعده على التمييز بين كشف حقيقة موثقة وبين الإساءة إلى السمعة أو التشهير، خصوصاً في التحقيقات التي تتناول أشخاصاً أو مؤسسات.
ما قبل النشر.. سلسلة من عمليات التحقق
وأكدت طميزي أن العمل الاستقصائي لا يقوم على خطوة واحدة قبل النشر، بل على سلسلة متكاملة تبدأ بفهم القضية وسياقها القانوني والإداري، ثم جمع الوثائق والأدلة والتحقق منها.
وأشارت إلى ضرورة التحقق من الشهادات أيضاً، لأن بعض الشهادات قد تكون كيدية أو مدفوعة بأسباب شخصية، ولذلك لا يمكن الاعتماد على شهادة واحدة لإثبات فرضية التحقيق.
كما شددت على أهمية جمع أكبر عدد ممكن من الشهادات ومقارنتها بالوثائق والمعلومات الأخرى.
ويأتي حق الرد كجزء أساسي من هذه العملية، إذ يجب منح الجهة التي تتناولها التحقيقات فرصة للرد على الاتهامات أو المعلومات الواردة في المادة الصحفية، مع توثيق طلب الرد، حتى لا تكون هناك مساحة للقول إن الجهة المعنية لم تمنح فرصة للتعليق.
غياب المعلومات يفتح الباب أمام الشائعات
يرى اللحام أن واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه الصحفيين تتمثل في غياب المعلومات والشفافية، موضحاً أن حجب المعلومات لا يعني بالضرورة وجود فساد، لكنه يخلق بيئة خصبة للشكوك والتساؤلات.
وبحسب طرحه، فإن المؤسسة التي تحيط أعمالها بالسرية ولا توفر معلومات واضحة تترك الجمهور والصحفيين أمام أسئلة حول أسباب غياب الشفافية.
وفي ظل عدم وجود إطار قانوني فعال يضمن الوصول إلى المعلومات، يضطر الصحفي إلى البحث عن طرق بديلة، من بينها المصادر الداخلية، والتسريبات، وتتبع التقارير والبيانات الإدارية القديمة، في محاولة لإعادة بناء الصورة الكاملة للقضية.
لكن هذه الآليات، بحسب اللحام، تجعل الصحفي يعمل في ظروف أكثر صعوبة، وقد تمنعه في النهاية من الوصول إلى بيانات كافية لإنتاج تحقيق متماسك وقابل للنشر.
حماية المصادر.. الثقة أولاً
تحدثت طميزي عن الصعوبات التي تواجه الصحفيين في التعامل مع مصادر تملك معلومات حساسة لكنها تخشى الانتقام الإداري أو الاجتماعي أو الأمني.
وقالت إن بناء الثقة بين الصحفي والمصدر يمثل أساساً لهذه العلاقة، إلى جانب الالتزام بحماية هوية المصدر عندما يكون ذلك ضرورياً، واستخدام أسماء مستعارة، وتوفير قنوات تواصل آمنة.
وأكدت أن الصحفي مطالب أيضاً بأن يكون صريحاً مع المصدر بشأن المخاطر المحتملة، وألا يعطيه وعوداً غير واقعية، بل يجب أن يدرك المصدر طبيعة المخاطر التي قد تترتب على كشف هويته.
وأشارت طميزي إلى أنها تعرضت، وفق حديثها، لضغوط وتهديدات بهدف الكشف عن مصادر استخدمتها في تحقيقات، لكنها تمسكت بحماية المصادر.
المصدر المجهول لا يكفي وحده
وفي مواجهة السؤال المتعلق بتأثير المصادر مجهولة الهوية على مصداقية التحقيق، أكدت طميزي أن استخدام مصدر مجهول لا يعني الاعتماد عليه بشكل منفرد.
وأوضحت أن الصحفي يجب أن يبحث عن مصادر متعددة ووثائق مستقلة تؤكد المعلومات التي يقدمها المصدر، وأن يقارن بين الروايات المختلفة.
وفي حال وجود تناقضات بين الشهادات أو الوثائق، فإن الصحفي مطالب بالبحث أكثر وعدم الاستعجال في نشر التحقيق.
وأضافت أن بعض الملفات قد لا تصل إلى مرحلة النشر أصلاً إذا لم يتمكن الصحفي من تجاوز التناقضات أو الوصول إلى أدلة كافية تثبت الفرضية.
المخاطر لا تقتصر على القانون
لا تتوقف المخاطر التي تواجه الصحفي الاستقصائي عند حدود الملاحقة القانونية، بل تمتد إلى الجوانب المهنية والشخصية والاجتماعية.
وأوضحت طميزي أن التحقيقات الاستقصائية، بحكم طبيعتها، تحتاج إلى مراجعة قانونية متخصصة قبل النشر، للتأكد من عدم وجود مشكلات تتعلق بالتشهير أو التحريض أو غيرها من المسائل القانونية.
كما أشارت إلى أن بعض الصحفيين قد يواجهون مخاطر مهنية مثل فقدان الوظيفة، فيما قد تتخذ الضغوط شكلاً شخصياً أو عائلياً أو عشائرياً، خاصة عندما تتناول التحقيقات قضايا حساسة.
وقالت إن الصحفيات قد يواجهن، في بعض الحالات، ضغوطاً إضافية، معتبرة أن النساء يمكن أن يكن أكثر عرضة لبعض أشكال الضغط والانتهاكات.
الصحفي بين حماية المؤسسة وتركه وحيداً
وأثارت الحلقة سؤالاً حول مدى توفير المؤسسات الإعلامية الحماية اللازمة للصحفيين الذين يخوضون تحقيقات استقصائية حساسة.
وقالت طميزي إنه لا يمكن تعميم موقف واحد على جميع المؤسسات، فهناك مؤسسات تدافع عن صحفييها وتتخذ إجراءات وقائية قبل النشر، لكن هناك أيضاً مؤسسات قد تتخلى عن الصحفي عند ظهور مشكلة قانونية أو تهديدات مرتبطة بالتحقيق.
وأكدت أن المسؤولية يجب ألا تقع على الصحفي وحده، خصوصاً عندما يكون التحقيق قد أُنجز ونُشر تحت إشراف مؤسسة إعلامية.
وأشارت إلى أهمية وجود مراجعة قانونية ومهنية للمادة قبل نشرها، بحيث تتحمل المؤسسة أيضاً مسؤوليتها تجاه الصحفي الذي يعمل لديها أو يتعاون معها بشكل مستقل.
ضغوط سياسية وعشائرية وقانونية
من جانبه، أشار اللحام إلى أن الصحفيين الفلسطينيين يعملون وسط مجموعة من الضغوط، من بينها الضغوط السياسية والحزبية، إضافة إلى الضغوط العشائرية والاجتماعية.
كما تحدث عن إشكالية مرتبطة بعدم وجود حماية قانونية كافية للصحفي في الوصول إلى المعلومات، وما قد يترتب على ذلك من دعاوى أو ملاحقات تحت عناوين مثل الإساءة والتشهير.
ويرى أن غياب إطار قانوني واضح يحمي العمل الصحفي ويضمن الوصول إلى المعلومات يترك الصحفي أمام مخاطر مادية ومعنوية وقانونية، ويضعف قدرته على أداء دوره الرقابي.
الصحافة الاستقصائية ليست منصة للهجوم
وشددت طميزي على أن الصحافة الاستقصائية لا تستهدف الأشخاص، ولا تقوم على إصدار الأحكام المسبقة أو تبني مواقف شخصية.
وقالت إن الصحفي لا يستطيع أن يصف شخصاً بأنه فاسد لمجرد وجود انطباع أو شبهة، بل يحتاج إلى وثائق وحقائق وشهادات وأدلة تدعم هذا الاستنتاج.
وبحسبها، فإن التحقيق الاستقصائي الحقيقي يقوم على كشف القضايا والانتهاكات والفساد الموثق، وليس مهاجمة الأشخاص.
وأضافت أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى جهد كبير ومهنية عالية وتدريب متواصل، لأن الصحفي مطالب بعزل رأيه الشخصي عن المادة التي يقدمها.
التحقيقات الاستقصائية تحتاج إلى وقت وموارد
وأشار اللحام إلى أن التحقيق الصحفي الاستقصائي يحتاج إلى وقت وموارد أكبر من العمل الصحفي التقليدي، خصوصاً عندما يتطلب الأمر مراقبة أماكن أو تتبع أشخاص أو جمع كميات كبيرة من البيانات والوثائق.
ولفت إلى أن الإمكانات المتاحة للمؤسسات الفلسطينية قد لا تسمح دائماً بتحمل التكاليف المرتفعة المرتبطة بالتحقيقات طويلة الأمد، ما يفرض على الصحفيين الاعتماد على الشهادات والوثائق والبيانات المتاحة.
ومع ذلك، أكد أن الوصول إلى نتائج قابلة للنشر يتطلب في النهاية أدلة ووثائق وشهادات وبيانات، حتى عندما تكون بعض المعلومات محجوبة عن الجمهور.
الشجاعة مطلوبة.. لكن حياة الصحفي ليست ثمناً للتحقيق
ورغم التشديد على أهمية الجرأة في العمل الاستقصائي، وضع اللحام حداً واضحاً لهذه المسألة، مؤكداً أن الصحفي ليس مطالباً بالموت من أجل التحقيق.
فالقضية، بحسب طرحه، تستحق التحقيق عندما يكون لها أثر حقيقي على قطاع واسع من الناس، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام أو قضايا تمس المجتمع بشكل مباشر.
لكن في المقابل، يجب على الصحفي تقييم المخاطر وإدارتها، وعدم تحويل العمل الصحفي إلى مغامرة تهدد حياته.
غياب الشفافية يضعف ثقة المواطن
وتطرقت الحلقة إلى تأثير غياب الشفافية في ملفات التعيينات والعطاءات والموازنات وغيرها من الملفات العامة.
وأكدت طميزي أن غياب المعلومات وآليات الشفافية يجعل المواطن أكثر ميلاً إلى تفسير القرارات من خلال الواسطة أو المحاباة أو الفساد، حتى عندما لا تكون هناك أدلة تثبت ذلك.
وقالت إن مجرد وجود إجراءات واضحة ومعلنة يمكن أن يساعد على تعزيز ثقة الجمهور، بينما يؤدي غيابها إلى فتح الباب أمام الشائعات والتأويل والتشكيك.
وأشارت إلى أن العطاءات، على سبيل المثال، ليست بالضرورة فاسدة، لكن غياب الشفافية في طريقة طرحها والتعامل معها يجعلها عرضة للشكوك والطعن في نظر الجمهور.
الهدف ليس تغييراً شكلياً
وأكدت طميزي أن الهدف من الصحافة الاستقصائية ليس إحداث تغيير شكلي، وإنما الوصول إلى تغيير حقيقي يعالج أصل المشكلة.
واستشهدت بملف تهريب الذهب، مشيرة إلى أن اتخاذ قرار أو إجراء شكلي بعد نشر التحقيق لا يكفي، بل المطلوب هو تنظيم القطاع بشكل فعلي ومعالجة الأسباب التي تسمح باستمرار التهريب.
وقالت إن نجاح الصحافة الاستقصائية يقاس بقدرتها على دفع المؤسسات إلى تحسين أدائها ومعالجة القضايا التي تكشفها، وليس بمجرد صدور رد فعل مؤقت بعد نشر التحقيق.
تشجيع المواطنين على التبليغ
وتناول الحوار أيضاً دور الصحافة الاستقصائية في تشجيع المواطنين على التبليغ عن الفساد، مع ضرورة عدم تعريضهم للخطر.
وأشارت طميزي إلى وجود قرار صادر عام 2019، بحسب ما ورد في الحلقة، يتعلق بحماية المبلغين عن الفساد، معتبرة أن تفعيل مثل هذه الحماية من شأنه أن يمنح الأشخاص مساحة أكبر من الأمان للإبلاغ عن المخالفات.
لكنها فرقت بين المواطن الذي يتوجه مباشرة إلى هيئة مكافحة الفساد أو جهة حكومية لتقديم بلاغ، وبين الشخص الذي يختار التواصل مع صحفي استقصائي لكشف القضية إعلامياً.
وفي بعض الحالات، قد يفضل الشخص الحديث مع الصحفي لأنه يشعر بثقة أكبر في هذه القناة، وهو ما يجعل حماية المصادر وتعزيز الثقة بين الصحفي والمبلغ من القضايا الأساسية في العمل الاستقصائي.
صحافة تكشف ما وراء الملفات المغلقة
خلصت الحلقة إلى أن الصحافة الاستقصائية تؤدي دوراً رقابياً أساسياً عندما تعمل وفق الأدلة والوثائق والتحقق وحق الرد، لكنها تواجه في الوقت نفسه بيئة صعبة تتداخل فيها مشكلة الوصول إلى المعلومات مع الضغوط السياسية والاجتماعية والقانونية والمهنية.
ويظهر من النقاش أن قوة التحقيق الاستقصائي لا تكمن في حجم الاتهام أو حدّة اللغة، وإنما في قوة الأدلة التي يستطيع الصحفي تقديمها.
فالصحافة المهنية لا تبدأ بحكم مسبق بأن هناك فاسداً أو فساداً، وإنما تبدأ بسؤال، ثم فرضية، ثم بحث وتحقق ومقارنة للوثائق والشهادات، وصولاً إلى نتيجة يمكن الدفاع عنها مهنياً وقانونياً.
وفي ظل استمرار تحديات الشفافية والوصول إلى المعلومات، يبقى السؤال الأهم الذي تطرحه الصحافة الاستقصائية: ماذا يحدث عندما تصبح المعلومات حقاً للجمهور، لكنها تظل محجوبة عن الصحفي الذي يحاول الوصول إليها؟
إن الإجابة، وفق ما خلص إليه النقاش، لا تتعلق بالصحفي وحده، بل تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسسات إعلامية قادرة على حماية الصحفي ومصدره، ومؤسسات عامة أكثر شفافية، وجمهور يدرك أن كشف الفساد لا يقوم على الشائعات والاتهامات، وإنما على الحقائق والأدلة.