رام الله – رأى قانونيون وباحثون أن التحدي الأبرز أمام مكافحة الفساد في فلسطين لا يتمثل بصورة أساسية في نقص القوانين والتشريعات، بقدر ما يرتبط بمدى تطبيقها، وتوافر الإرادة السياسية والإدارية، واستقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، مؤكدين أن بناء منظومة نزاهة فاعلة يتطلب بيئة سياسية وقانونية تسمح بالمساءلة والمحاسبة والوصول إلى المعلومات.
وجاء ذلك خلال حلقة من بودكاست “الورقة الناقصة” ناقشت سؤالًا رئيسيًا حول ما إذا كانت مواجهة الفساد في فلسطين تحتاج إلى مزيد من التشريعات، أم إلى تطبيق أكثر جدية للقوانين القائمة وإجراءات أسرع وأكثر فاعلية في التحقيق والمساءلة والمحاسبة، بمشاركة المحامي محمد الهريني والمحامي والباحث عصام عبدين.
الهريني: المشكلة في تطبيق القانون لا في وجوده
وقال المحامي محمد الهريني إن التشريعات الفلسطينية الحالية توفر، من وجهة نظره، إطارًا متطورًا لمكافحة الفساد، معتبرًا أن الإشكالية الأساسية تكمن في القائمين على تطبيق القانون ومدى وجود إرادة حقيقية لتفعيله.
وأضاف أن معالجة الفساد تحتاج إلى إرادة واضحة وغير انتقائية، محذرًا من أن مكافحة الفساد قد تفقد فعاليتها عندما تخضع لاعتبارات سياسية أو لخلافات وحسابات أخرى.
وأشار الهريني إلى أن مفهوم الفساد لا يقتصر على الاعتداء على المال العام، بل يشمل كذلك صورًا من الفساد الإداري، لافتًا بصورة خاصة إلى ملف التوظيف في المؤسسات الحكومية، وما يمكن أن يترتب على أي اختلالات فيه من حرمان خريجين وكفاءات من فرصهم العادلة.
وأكد أن قانون مكافحة الفساد، وفق تقديره، يتضمن أدوات يمكن أن تحد من استغلال النفوذ وتحاصر التجاوزات، إلا أن فعاليته تبقى مرتبطة بجدية التطبيق.
عبدين: مكافحة الفساد مسألة نظام حكم
من جانبه، قال المحامي والباحث عصام عبدين إن مكافحة الفساد يجب ألا تُختزل في القوانين أو في تقديم الشكاوى إلى هيئة مكافحة الفساد والنيابة المختصة، معتبرًا أنها في جوهرها قضية مرتبطة بطبيعة نظام الحكم ومدى استعداده للخضوع للمساءلة.
وأضاف أن السؤال الحاسم يتمثل في وجود “بيئة نزاهة وطنية” ونظام سياسي يقبل بمبدأ المحاسبة، مشددًا على أن الإرادة السياسية تمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي استراتيجية حقيقية لمكافحة الفساد.
وربط عبدين بين فاعلية منظومة النزاهة وبين احترام سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء، معتبرًا أن غياب هذه العناصر أو ضعفها يجعل مكافحة الفساد أكثر صعوبة.
وأشار إلى أن تغييب المجلس التشريعي لسنوات طويلة، إلى جانب ما وصفه بتراجع استقلالية بعض المؤسسات وتركيز صلاحيات واسعة في السلطة التنفيذية، يترك آثارًا مباشرة على قدرة النظام الرقابي على أداء دوره.
ملف الوقود والشراء العام
وفي سياق حديثه عن أبرز الثغرات في التطبيق، أثار الهريني ملف توريد الوقود، وطرح مجموعة من الادعاءات والتساؤلات بشأن آليات التعاقد والشراء العام المرتبطة به.
وقال إن هناك، بحسب تقديره، مخالفات تتعلق بعدم طرح بعض التعاقدات ضمن إجراءات العطاءات العامة، وربط أزمة الوقود الأخيرة باختلالات تتجاوز مسألة نقص السيولة المالية.
ولم يقدم النص المرفق وثائق أو ردودًا رسمية تثبت هذه الادعاءات أو تنفيها، ولذلك تبقى المطالبات التي طرحها الهريني في هذا الجانب منسوبة إليه وتحتاج إلى تحقق مستقل.
وخلال الحلقة، أشار مقدم البرنامج إلى بيانات رسمية تحدثت عن أسباب أخرى لأزمة الوقود، من بينها أزمة أموال المقاصة وتطورات إقليمية أثرت على الإمدادات، فيما رفض الهريني هذا التفسير وقدم قراءة مختلفة للأزمة.
وشدد الهريني على أن آثار الفساد، عندما يقع، لا تتوقف عند قضية مالية أو شخص بعينه، بل تمتد – بحسب قوله – إلى الاقتصاد والسياسة وحركة المجتمع وثقة المواطنين بالمؤسسات.
المطالبة بهيئات رقابية أكثر استقلالية
وفي مناقشة تعدد المؤسسات الرقابية والقانونية المختصة، رأى الهريني أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في عدد الجهات، بل في مستوى استقلاليتها عن السلطة التنفيذية.
ودعا إلى تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، معتبرًا أن وجود جهات رقابية قادرة على العمل بعيدًا عن التأثيرات الحكومية والسياسية يرفع من فاعلية الرقابة والكشف عن التجاوزات.
كما انتقد ما وصفه بضعف المكاشفة الإعلامية بشأن قضايا الفساد، داعيًا إلى تزويد الجمهور بمعلومات أوضح بشأن طبيعة القضايا والمبالغ محل التحقيق والمسميات الوظيفية للمتورطين، مع مراعاة الضمانات القانونية ومنع التشهير قبل صدور أحكام قضائية نهائية.
وأكد أن الشفافية لا تعني اتهام أشخاص قبل إدانتهم، وإنما إطلاع الجمهور على الوقائع والإجراءات ضمن حدود القانون.
عبدين: بنية المؤسسات أهم من عدد القضايا
وفي حديثه عن بطء التحقيق والإجراءات القضائية، قال عبدين إن تقييم أداء منظومة مكافحة الفساد لا ينبغي أن يعتمد على عدد الملفات أو نسب الإحالة وحدها، بل يجب النظر إلى طبيعة القضايا والأشخاص الذين تشملهم وتأثير النتائج في تعزيز الردع والمساءلة.
وأشار إلى أن هيئة مكافحة الفساد نشأت في سياق سياسي اتسم بالانقسام، لافتًا إلى أن قانون الكسب غير المشروع الصادر عام 2005 ارتبط في بداياته بالمجلس التشريعي، قبل أن تطرأ عليه تعديلات في سنوات الانقسام.
وانتقد عبدين آلية تعيين رئيس هيئة مكافحة الفساد وإنهاء ولايته، معتبرًا أن ارتباطها بالسلطة التنفيذية يثير، من وجهة نظره، تساؤلات حول الاستقلال المؤسسي، خصوصًا عندما يكون مسؤولون في السلطة التنفيذية أنفسهم من الفئات الخاضعة لأحكام قانون مكافحة الفساد.
وتطرق إلى نصوص قانونية تتعلق بمساءلة كبار المسؤولين، موضحًا أن تعطيل المجلس التشريعي يخلق إشكالات عملية أمام تطبيق بعض المسارات الواردة في القانون.
العقوبات ليست المشكلة الوحيدة
وحول مدى كفاية العقوبات القانونية، قال الهريني إن قانون مكافحة الفساد يتضمن عقوبات مشددة في بعض الحالات، لكنه أوضح أن فلسفة التشريع لا تقوم فقط على الحبس والعقوبة، وإنما تشمل أيضًا استعادة الأموال العامة وتشجيع الكشف عن قضايا الفساد.
ورأى أن المشكلة الأساسية تكمن في طول أمد إجراءات المحاكمة وتبدل تشكيلات الهيئات القضائية التي تنظر في القضايا.
وأوضح أن تغيير القضاة أو الهيئات بعد أن تكون قد تعرفت بصورة واسعة إلى تفاصيل الملفات قد يؤدي إلى إطالة فترة التقاضي، مطالبًا بإيجاد حلول تضمن استمرارية النظر في القضايا.
وفي المقابل، أشاد الهريني بسرعة أداء نيابة مكافحة الفساد في بعض الملفات التي تعامل معها، وقال إن التحقيق في أحد الملفات الكبيرة التي أشار إليها باسم “ملف المعابر” أُنجز خلال فترة تراوحت بين ثلاثة وأربعة أشهر، رغم حجم الملف، وفق روايته.
1795 شكوى وبلاغًا خلال 2025
وتطرق عبدين إلى ما قال إنها بيانات لهيئة مكافحة الفساد لعام 2025، مشيرًا إلى أنها تابعت 1795 شكوى وبلاغًا يتعلق بشبهات فساد، وأحالت 38 قضية إلى النائب العام.
وأوضح أن العدد المحال يمثل نسبة محدودة من إجمالي الشكاوى والبلاغات، لكنه شدد على أن انخفاض النسبة لا يمكن اعتباره وحده معيارًا للحكم على الأداء، لأن الأهم، بحسب رأيه، هو نوعية القضايا ومدى أهميتها وتأثير نتائجها على مكافحة الفساد.
والأرقام الواردة هنا منقولة عن حديث عبدين في الحلقة كما ورد في النص المرفق، ولم يتضمن المصدر المرفق تقرير الهيئة الأصلي للتحقق منها بصورة مستقلة.
الوصول إلى المعلومات والصحافة الاستقصائية
وأكد الهريني أن الحق في الوصول إلى المعلومات يمثل أحد العناصر الناقصة في البيئة التشريعية والرقابية الفلسطينية، داعيًا إلى إقرار إطار قانوني يسمح للمواطنين والصحفيين بالحصول على المعلومات العامة.
وقال إن الصحافة، باعتبارها سلطة رقابية مجتمعية، يمكن أن تسهم بصورة أساسية في الكشف عن الاختلالات وشبهات الفساد من خلال التحقيقات الاستقصائية والوصول إلى الوثائق والمعلومات.
واعتبر أن حجب المعلومات يحد من قدرة الصحافة والمجتمع المدني على الرقابة، فيما يسهم نشرها في الكشف المبكر عن المخالفات وفي تعزيز المساءلة.
الفساد لا يقتصر على الأموال
وفي مناقشة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع والإفصاح المالي وحماية المبلغين، رأى عبدين أن المسألة تتجاوز مجرد تعديل بعض المواد القانونية.
وأشار إلى أن فلسطين لديها قانون لمكافحة الفساد وانضمت إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لكنه قال إن التشريعات وحدها ليست “عصا سحرية” إذا لم تتوافر بيئة سياسية تقبل بالمساءلة.
وأكد عبدين أن المنفعة غير المشروعة لا تكون دائمًا مالية، إذ يمكن، وفق تعبيره، أن تظهر صور من الفساد الإداري أو السياسي أو التشريعي.
وحذر بصورة خاصة من تحول الفساد من حالات فردية إلى شبكات مترابطة تدعم بعضها بعضًا، معتبرًا أن معالجة الظاهرة تصبح أكثر تعقيدًا كلما ترسخت هذه الشبكات داخل المؤسسات.
تسريع المحاكمات مع حماية حق الدفاع
وعن إمكانية تقليص المدة بين اكتشاف شبهة الفساد وصدور الحكم النهائي، شدد الهريني على أن تسريع الإجراءات يجب ألا يكون على حساب ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع.
ووصف حق الدفاع بأنه حق أساسي لا يجوز الانتقاص منه، لكنه قال إن الجهات المختصة تستطيع تقليص الوقت من خلال استكمال التحريات وجمع الأدلة بصورة منظمة قبل مباشرة بعض إجراءات التحقيق.
واقترح زيادة عدد الهيئات القضائية التي تنظر في قضايا جرائم الفساد، موضحًا أن وجود هيئة قضائية واحدة، من وجهة نظره، لم يعد كافيًا في ظل تزايد عدد الملفات.
ودعا إلى وجود هيئتين قضائيتين على الأقل ضمن الاختصاص ذاته للتعامل مع قضايا جرائم الفساد بما يساهم في تقليل تراكم الملفات وتسريع إصدار الأحكام دون الإخلال بضمانات الدفاع.
الحصانات والاستثناءات
وفي ختام النقاش، تناول عبدين أثر الحصانات والاستثناءات القانونية، معتبرًا أن المساواة أمام القانون لا يمكن تحقيقها بفعالية من دون بيئة سياسية ومؤسساتية سليمة.
وحذر من أن منظومة مكافحة الفساد نفسها قد تصبح، في غياب الاستقلال والرقابة، عرضة للاستخدام الانتقائي أو السياسي، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات.
وأكد أن القضية أكبر من أداء هيئة أو مؤسسة واحدة، وأن الإصلاح يتطلب معالجة شاملة لبنية النظام الرقابي والقضائي والسياسي، إلى جانب تعزيز استقلالية المؤسسات وسيادة القانون والفصل بين السلطات.
خلاصة
وخلص النقاش إلى أن ضيفي الحلقة يتفقان، رغم اختلاف بعض التفاصيل، على أن التشريعات القائمة ليست وحدها الحلقة الأضعف في مكافحة الفساد، وأن التحدي الأبرز يتمثل في تطبيق القانون وضمان استقلال القضاء والهيئات الرقابية وتفعيل الرقابة التشريعية وتوسيع الحق في الحصول على المعلومات وتسريع الإجراءات القضائية.
كما شددا على ضرورة ألا تتحول سرعة المحاسبة إلى مساس بضمانات المحاكمة العادلة، وعلى أهمية زيادة الشفافية أمام الجمهور باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لاستعادة الثقة بمنظومة النزاهة والمساءلة.