رام الله – منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجد عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين الذين كانوا يعتمدون على العمل داخل الخط الأخضر أنفسهم خارج سوق العمل بصورة مفاجئة، بعد توقف التصاريح وانقطاع الأجور التي شكّلت لسنوات مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر.
وتكشف شهادات عمال وممثلين نقابيين وخبراء، ضمن حلقة من بودكاست “رأيت البلاد”، عن أزمة تتجاوز فقدان الوظيفة إلى انهيار مصادر الدخل، وتراكم الديون، وتعطل أبناء عن التعليم الجامعي، وتراجع القدرة على تغطية الاحتياجات اليومية، وسط مطالب بإقامة نظام وطني للحماية الاجتماعية وخلق فرص عمل بديلة داخل الاقتصاد الفلسطيني.
خسائر ضخمة منذ توقف العمال عن العمل
وبحسب ما ورد في الحلقة، فإن التقديرات التي استند إليها أحد المتحدثين تشير إلى أن أجور العمال الفلسطينيين العاملين داخل أراضي الـ48 كانت تبلغ قبل الحرب نحو 1.35 مليار شيكل شهريًا.
وأشار إلى أن استمرار توقف العمل منذ أكتوبر 2023 تسبب، بحسب تقديره، بخسائر تراكمية بعشرات مليارات الشواكل من الأجور وحدها، دون احتساب المدخرات أو المستحقات الأخرى المرتبطة بالعمال.
وقدر المتحدث عدد المتعطلين عن العمل بنحو 550 ألف عامل فلسطيني عند احتساب الضفة الغربية وقطاع غزة، مشيرًا إلى أن تأثير الأزمة لم يقتصر على العمال أنفسهم، بل امتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي الفلسطيني.
وأكد أن توقف هذا الحجم من الدخل الشهري أدى إلى تراجع قدرة الأسر على الاستهلاك وتسديد الالتزامات، وانعكس على قطاعات اقتصادية واسعة كانت تعتمد بصورة غير مباشرة على دخول العمال.
مستحقات مالية للعمال ومطالب باستعادتها
وتطرقت الحلقة إلى مستحقات العمال الفلسطينيين الذين عملوا بصورة رسمية داخل إسرائيل، إذ تحدث أحد ممثلي العمال عن أموال جرى اقتطاعها على مدار سنوات من أجور العمال.
وأشار إلى أن الجانب الإسرائيلي أنشأ عام 2021 شركة حكومية خاصة للتعامل مع عدد من مخصصات العمال وتنظيم تحويل الأجور إلى البنوك الفلسطينية.
لكنه قال إن هناك مستحقات تعود إلى فترات سابقة على عام 2021 لم تحسم قضيتها بعد، وقدّرها بعشرات مليارات الشواكل.
وربط هذه المستحقات باتفاق باريس الاقتصادي، معتبرًا أن اقتطاعات مالية كان يفترض، وفق رؤيته، أن تعود لصالح العمال ضمن ترتيبات حماية اجتماعية أو ضمان اجتماعي.
وهذه الأرقام والادعاءات وردت على لسان المتحدثين في الحلقة، ولم يتضمن المصدر المرفق وثائق مالية أو بيانات رسمية مستقلة تسمح بالتحقق منها بصورة منفصلة.
العمال الغزيون في الضفة… مساعدات توقفت
وتناول الحديث أوضاع نحو 19 ألف عامل من قطاع غزة كانوا يعملون داخل إسرائيل ووجدوا أنفسهم في الضفة الغربية بعد اندلاع الحرب.
وأوضح أحد المتحدثين أن هؤلاء العمال احتاجوا إلى مساعدات غذائية وسكنية ومالية عاجلة، وأن عددًا منهم تلقى دعمًا عبر جهات من بينها وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية وصناديق ومشاريع تشغيل.
وأشار إلى أن بعض العمال تلقوا دفعات مالية وصلت، بحسب حديثه، إلى نحو 700 شيكل في كل مرة، إلا أن المساعدات توقفت لاحقًا أو تقلصت بسبب محدودية الإمكانيات المتاحة.
وقال إن مجموع ما وصل إلى العمال من تعويضات ومساعدات لا يمثل، وفق تقديره، سوى نسبة محدودة للغاية من حجم الخسائر التي تعرضوا لها.
دعوة إلى استثمارات فلسطينية جديدة
وفي ظل العجز عن تعويض العمال عن الدخل الذي فقدوه، دعا متحدثون رجال الأعمال والمستثمرين الفلسطينيين إلى التوسع في إقامة مشاريع داخل فلسطين وتوفير فرص تشغيل جديدة.
وأكدوا أن مواجهة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على المساعدات المؤقتة وحدها، وإنما تحتاج إلى نشاط استثماري قادر على استيعاب أعداد أكبر من العمال الذين فقدوا وظائفهم.
وأشار الحديث إلى تجارب شركات فلسطينية وسعت أسواقها إلى دول عربية، معتبرًا أن الإمكانيات الاستثمارية الفلسطينية يمكن توجيه جزء منها نحو فتح مصانع ومشاريع تشغيلية في السوق المحلية.
“لم نستطع تقديم المطلوب للعمال”
وأقر أحد ممثلي العمال خلال الحلقة بأن المساعدات المقدمة لم تكن بحجم الأزمة.
وقال إن آلاف العمال الذين فقدوا عملهم داخل الخط الأخضر كانوا الأكثر حاجة للدعم، لكن غياب صناديق مخصصة للحماية الاجتماعية جعل الاستجابة محدودة.
وأضاف أن التجربة أثبتت الحاجة إلى منظومة ضمان وحماية اجتماعية قادرة على التعامل مع الأزمات المفاجئة، مشيرًا إلى أنه لو جرى إنشاء مثل هذا النظام قبل سنوات، لكان من الممكن تخفيف جانب من التداعيات الحالية.
مطالبات دولية بالتعويض
كما أشار المتحدث إلى تحركات نقابية عبر اتحادات دولية ومنظمة العمل الدولية للمطالبة بتعويض العمال الفلسطينيين عن خسائرهم.
وقال إن قضية تتعلق بتعويضات العمال قُدمت عبر قنوات دولية، وإن الجهود مستمرة من أجل تحصيل الحقوق المالية والعمالية.
وأكد أن النقابات ستواصل العمل في هذا الملف، مع المطالبة في الوقت ذاته بإيجاد بدائل تشغيلية داخل فلسطين.
قصة أشرف: “أنا المعيل الوحيد وأبنائي توقفوا عن الجامعة”
وخلف الأرقام، عرضت الحلقة شهادات مباشرة لعمال فقدوا وظائفهم منذ أكتوبر 2023.
وقال العامل أشرف طرابي من قرية صرة إنه كان يعمل داخل الخط الأخضر قبل أن يفقد عمله بعد السابع من أكتوبر.
وأضاف أن الشركة التي كان يعمل فيها لم تتواصل معه بعد توقفه عن العمل، مشيرًا إلى وجود مستحقات مالية له لم يحصل عليها حتى الآن.
وقال إن العمال اعتقدوا في البداية أن توقف العمل سيستمر أسابيع أو شهرين على الأكثر، كما حدث في جولات سابقة، قبل أن يتحول الانتظار إلى سنوات.
وأوضح أنه المعيل الوحيد لأسرته، وأن فقدان الدخل أدى إلى تغييرات كبيرة في حياة العائلة.
وتحدث عن اضطرار بعض أبنائه إلى التوقف عن الدراسة الجامعية بسبب عدم القدرة على تغطية التكاليف، إلى جانب صعوبة تأمين مواصلات المدارس والاحتياجات اليومية.
وأضاف أن الأسرة اضطرت إلى تقليص الإنفاق في العديد من جوانب الحياة.
صعوبة إيجاد بديل في الضفة
وقال طرابي إنه حاول العثور على عمل بديل داخل الضفة الغربية، لكنه واجه صعوبة كبيرة بسبب قلة الفرص وتدني الأجور.
وانتقد ظروف العمل المتاحة، معتبرًا أن العامل يواجه ضعفًا في الحماية والأجر، وأن الحصول على وظيفة قد يتطلب في بعض الحالات علاقات شخصية أو “واسطة”.
كما تحدث عن تسجيله في برامج أُعلن عنها لتوفير فرص عمل للعمال، لكنه قال إنه لم يتلق أي اتصال بعد التسجيل.
وأكد أنه لم يحصل، وفق شهادته، على دعم مباشر من وزارة العمل أو النقابات أو المؤسسات الأخرى.
من مدخرات سنوات إلى البحث عن بدائل صغيرة
وتضمنت الحلقة أيضًا شهادة عامل آخر يدعى أحمد سليم أحمد غالم من منطقة صرة في نابلس، قال إنه أمضى ما يقارب ثلاثة عقود يعمل بصورة متقطعة داخل إسرائيل، خصوصًا في قطاع البناء.
وأوضح أنه اكتسب خلال سنوات عمله خبرات ومهارات عديدة، لكنه واجه صعوبة في توظيفها بعد عودته إلى سوق العمل الفلسطيني.
وقال إنه عمل في البداية مع شقيقه الذي يعمل مقاولًا، إلا أن تراجع النشاط الاقتصادي وتزايد عدد العمال الباحثين عن عمل جعلا فرص التشغيل محدودة ومتقطعة.
وأضاف أن المدخرات التي جمعها خلال سنوات العمل بدأت تنفد تدريجيًا مع استمرار البطالة.
مشروع دجاج بياض لم يحقق البديل المنشود
وفي محاولة لإيجاد مصدر دخل جديد، قال أحمد إنه أنشأ مشروعًا صغيرًا لتربية الدجاج البياض.
لكنه أوضح أن المشروع لم يوفر العائد المتوقع، وأصبح يحتاج إلى ضخ أموال إضافية بدل أن يكون مصدر دخل للأسرة.
وقال إن الأوضاع الاقتصادية الحالية تجعل إنشاء مشروع ناجح أمرًا شديد الصعوبة، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ودعا الحكومة إلى توفير فرص تشغيل حقيقية أو فتح مجالات عمل جديدة للعمال في أسواق خارجية بدل بقائهم بلا دخل.
أزمة لا تتعلق بالدخل فقط
وأظهرت شهادات العمال أن الأزمة تتجاوز خسارة الراتب الشهري إلى التأثير في الإحساس بالأمان والاستقلال والقدرة على إعالة الأسرة واتخاذ القرارات المتعلقة بالتعليم والصحة والسكن.
فمع استمرار البطالة، لجأ بعض العمال إلى مدخراتهم السابقة أو العمل اليومي المتقطع، فيما اتجه آخرون إلى الاقتراض من الأقارب أو محاولة إنشاء مشاريع صغيرة.
وفي حالات أخرى، اضطرت الأسر إلى تقليص مستويات الإنفاق بصورة حادة والتخلي عن بعض الاحتياجات التي كانت تعتبر أساسية قبل الحرب.
تحذير من الاعتماد على سوق العمل الإسرائيلي
وفي الجزء الأخير من الحلقة، رأى أحد المتحدثين أن الأزمة كشفت خطورة اعتماد نسبة كبيرة من العمال الفلسطينيين على فرص العمل داخل المنشآت الإسرائيلية.
وقال إن التجارب السابقة أظهرت أن العمال الفلسطينيين يمكن أن يُمنعوا من الوصول إلى أماكن عملهم في أي أزمة سياسية أو أمنية.
وأشار إلى توقف العمل في محطات تاريخية سابقة، معتبرًا أن ذلك كان يفترض أن يدفع إلى بناء سياسة فلسطينية طويلة الأمد لتوفير وظائف داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأكد أن العمل داخل إسرائيل لا ينبغي أن يتحول إلى ركيزة أساسية ودائمة لسياسات التشغيل الفلسطينية.
الحاجة إلى نظام وطني للحماية الاجتماعية
وأكد المتحدث ضرورة إقامة نظام وطني للحماية الاجتماعية يكون قادرًا على التدخل عند حدوث أزمات واسعة مثل البطالة الجماعية أو توقف العمل.
وقال إن وجود مثل هذا النظام كان سيسمح بمعالجة جزء كبير من الأزمة الحالية وتقديم دخل أو دعم مؤقت للعمال المتضررين.
وأضاف أن فلسطين تحتاج بالتوازي إلى سياسات تشغيل دائمة تستوعب النمو السكاني والخريجين الجدد والأزمات الطارئة.
واعتبر أن مكافحة الفقر والبطالة والعوز يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي سياسة عامة، لأنها ترتبط بصورة مباشرة بقدرة المواطنين على الاستمرار والصمود.
انتقادات لنموذج الحلول الفردية
كما انتقد المتحدث اعتماد الاقتصاد الفلسطيني بصورة كبيرة على الحلول الفردية، مثل القروض أو المشاريع الصغيرة غير المحمية.
وقال إن النظام الاقتصادي القائم يدفع المواطن الذي يفقد دخله إلى البحث منفردًا عن قرض أو مشروع بديل، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم الديون والدخول في “حلقة مفرغة”.
وشدد على أن أزمة بهذا الحجم لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة أفراد، وإنما باعتبارها قضية اقتصادية واجتماعية وطنية تحتاج إلى تدخل جماعي وسياسات عامة.
الدعوة إلى اقتصاد اجتماعي تضامني
وطرح المتحدث مفهوم الاقتصاد الاجتماعي التضامني باعتباره أحد البدائل الممكنة، خاصة في ظل طبيعة الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد بدرجة واسعة على المنشآت الصغيرة والعائلية.
ودعا إلى تعزيز التعاونيات والمشاريع الصغيرة المشتركة، إلى جانب توفير سياسات مالية وضريبية تدعم قدرتها على الصمود والاستمرار.
وقال إن نسبة محدودة فقط من العمال الفلسطينيين تعمل في منشآت كبيرة توفر أشكالًا أكثر استقرارًا من الحقوق والحماية، بينما يعمل الجزء الأكبر في مشاريع صغيرة أو قطاعات هشة.
وأكد أن تعزيز العمل التعاوني والتنظيم النقابي والمجتمعي قد يمنح العمال قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحهم.
“لا صوت لهم”
وفي توصيفه لأوضاع فئات واسعة من العمال، قال أحد المتحدثين إن كثيرًا منهم يُتركون وحدهم خلال الأزمات، ولا يمتلكون أطرًا تنظيمية قوية تدافع عنهم.
وأشار إلى ضعف انخراط بعض العمال في النقابات أو الجمعيات أو الاتحادات، معتبرًا أن غياب التنظيم يضعف قدرتهم على الضغط والمطالبة بحقوقهم.
ودعا إلى توفير الظروف التي تسمح للعمال بتنظيم أنفسهم في نقابات وروابط واتحادات وتعاونيات، بما يرفع قدرتهم على مواجهة الأزمات الاقتصادية والمطالبة بسياسات أكثر عدالة.
أزمة مفتوحة بلا حلول كافية
وتخلص الحلقة إلى أن توقف العمال الفلسطينيين عن العمل داخل الخط الأخضر منذ أكتوبر 2023 خلق واحدة من أكثر أزمات سوق العمل الفلسطيني تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة.
فبين خسارة الدخل، وتعطل المستحقات، وضعف التعويضات، وندرة فرص العمل البديلة، وجد آلاف العمال أنفسهم أمام واقع اقتصادي جديد لم يكونوا مستعدين له.
وتظهر شهاداتهم أن الأسرة الفلسطينية تحملت الجزء الأكبر من كلفة الأزمة، سواء من خلال استنزاف المدخرات أو الاقتراض أو إلغاء نفقات التعليم وغيرها من الاحتياجات.
وفي المقابل، يؤكد المتحدثون أن الحل لا يمكن أن يقتصر على مساعدات طارئة، بل يحتاج إلى سياسات تشغيل وطنية، ونظام حماية اجتماعية، واستثمارات إنتاجية، واستعادة حقوق العمال المالية، وتعزيز التنظيم النقابي والتعاوني.
وبينما تظل العودة الواسعة للعمل داخل الخط الأخضر غير مضمونة، يبقى التحدي الأبرز أمام المؤسسات الفلسطينية هو إيجاد بدائل توفر للعمال مصدر دخل مستقر وتحول دون بقاء مئات آلاف الأسر رهينة قرار سياسي أو أمني يمكن أن يوقف مصدر رزقها في أي لحظة.