حذر مختصون وإعلاميون وحقوقيون من تصاعد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة في الحيز العام الفلسطيني، مؤكدين أن هذه الظواهر باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي والثقة العامة ومؤسسات المجتمع المدني، خاصة في ظل الانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية وغياب التشريعات الناظمة للفضاء الرقمي.
وخلال حلقة من بودكاست “تشويش”، قال المندوب العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ومدير مركز القدس للمساعدة القانونية، عصام العاروري، إن فلسطين تعيش حالة “استباحة رقمية” بفعل الصراع السياسي والاحتلال، موضحًا أن الاحتلال يمتلك خبرات متقدمة في المجال الإلكتروني ويعمل على استهداف الرأي العام الفلسطيني ونشر الفوضى واليأس بين المواطنين.
وأضاف العاروري أن غياب قانون حق الوصول إلى المعلومات وضعف البيئة التشريعية المتعلقة بحماية الخصوصية وتداول المعلومات، أسهما في اتساع دائرة الشائعات والتشهير، مشيرًا إلى أن “الثقافة المجتمعية التي تتسامح مع الخوض في خصوصيات الآخرين” ساعدت كذلك في انتشار هذه الظواهر.
وأكد أن الشخصيات العامة والناشطين والعاملين في المؤسسات الرسمية والأهلية باتوا عرضة لحملات تشويه تستهدف حياتهم الشخصية وعائلاتهم، بدل التركيز على تقييم أدائهم المهني أو السياسي، موضحًا أن الكثير من المواطنين يعيدون نشر معلومات غير موثوقة دون التحقق منها.
من جهته، قال الإعلامي المختص بقضايا الرأي العام والحيز الرقمي إيهاب الجريري إن خطاب الكراهية لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح جزءًا من بيئة رقمية معقدة تتداخل فيها عوامل الاحتلال والانقسام الداخلي وغياب الحياة الديمقراطية.
وأشار الجريري إلى أن غياب السياسات والقوانين التي تحمي الأفراد في الفضاء الرقمي، مقابل التركيز على حماية المؤسسات الرسمية، أدى إلى توسع خطاب التحريض والتشهير، لافتًا إلى أن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى ترسيخ قيم التربية الإعلامية والوعي الرقمي منذ المراحل الدراسية الأولى.
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي تدفع المستخدمين نحو تبني “المواقف الأكثر انتشارًا” سعياً وراء الإعجابات وإعادة النشر، حتى وإن لم تكن تلك المواقف نابعة من قناعة حقيقية، ما يخلق رأيًا عامًا مضللًا في كثير من الأحيان.
وتطرق المتحدثان إلى تأثير حملات التشويه على مؤسسات المجتمع المدني، حيث أشار العاروري إلى انتشار اتهامات تتعلق بالأجندات الخارجية ورواتب العاملين وعلاقات المؤسسات بالجهات الدولية، مؤكدًا أن بعض هذه الحملات انطلقت من منصات إعلامية وصفحات مجهولة الهوية تمارس التشهير دون رقابة أو مساءلة.
كما تحدث عن حوادث وصفها بـ”الخطيرة”، تضمنت تسريب معلومات وصور شخصية واستخدامها في الابتزاز والتشهير، خاصة خلال أحداث مرتبطة بقضية الناشط نزار بنات، مشيرًا إلى أن بعض الضحايا تقدموا بشكاوى رسمية دون أن يتم اتخاذ إجراءات حاسمة حتى الآن.
ودعا العاروري إلى إنشاء مؤسسة فلسطينية متخصصة بالتحقق من المعلومات والتصدي للشائعات، إلى جانب الإسراع بإقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات، مؤكدًا أن غياب المعلومات الرسمية الموثوقة يفتح الباب واسعًا أمام انتشار الإشاعات والمعلومات المضللة.
وفي السياق ذاته، شدد الجريري على أهمية دور الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني ونقابة الصحفيين في وضع مدونات سلوك وأطر أخلاقية تنظم العمل الإعلامي والرقمي، بما يضمن التوازن بين حرية التعبير وحماية خصوصية الأفراد ومنع التحريض وخطاب الكراهية.
وأكد المتحدثان أن مواجهة خطاب الكراهية تتطلب تعاونًا مجتمعيًا واسعًا يشمل الإعلام والمؤسسات الحقوقية والجهات الرسمية والمواطنين، محذرين من أن استمرار هذه الظواهر سيؤدي إلى مزيد من الانقسام والتعصب وإضعاف الثقة داخل المجتمع الفلسطيني.