حذر مختصون في الإعلام الرقمي من تصاعد تأثير خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على المشهد الإعلامي الفلسطيني، مؤكدين أن تدفق الأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي بات يشكل عبئًا متزايدًا على المؤسسات الإعلامية والصحفيين، ويؤثر بشكل مباشر على ثقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من بودكاست “تشويش”، التي استضافت الباحث والمتخصص في الإعلام الرقمي ومؤسس مبادرة “صدى سوشال” إياد الرفاعي، والباحثة في الإعلام الرقمي أفنان كناعنة، حيث ناقشا العلاقة بين المعلومات المضللة وخطاب الكراهية وتأثيرهما على الإعلام والمجتمع الفلسطيني.
وقال الرفاعي إن تأثير المعلومات المضللة “لم يعد ظاهرة عابرة”، موضحًا أن الكم الهائل من المعلومات المتداولة عبر الإنترنت يفوق قدرة الأفراد والمؤسسات الإعلامية على التحقق منها، ما يفرض على وسائل الإعلام تخصيص جزء كبير من طاقاتها للتدقيق والتحقق بدلاً من إنتاج المحتوى المهني والتحقيقات الصحفية.
وأضاف أن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل مسؤولية التحقق مضاعفة، لأن المعلومة قد تكون “مسألة حياة أو موت” بالنسبة للفلسطينيين، خاصة مع اعتماد الجمهور بشكل متزايد على منصات التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن كمصادر للأخبار.
من جهتها، أوضحت الباحثة أفنان كناعنة أن خطاب الكراهية والمعلومات المضللة “يغذي كل منهما الآخر”، مشيرة إلى أن الأخبار الكاذبة تؤدي إلى تشويه وعي الجمهور تجاه الآخر، ما يسهم في تعزيز خطاب الكراهية والتحريض، لا سيما في أوقات الحروب والأزمات.
واستشهدت كناعنة بمثال انتشار روايات مضللة خلال بداية الحرب على غزة، مثل الادعاءات المتعلقة بحرق أطفال إسرائيليين، مؤكدة أن مثل هذه الأخبار ساهمت في تصاعد خطاب الكراهية على المستوى الدولي، وأدت إلى تبرير العنف ضد الفلسطينيين.
وفي حديثه عن تجربة “صدى سوشال”، أوضح الرفاعي أن المبادرة انطلقت بعد حملة لمواجهة إغلاق حسابات وصفحات فلسطينية على “فيسبوك” عام 2016، مشيرًا إلى أن الحملة نجحت حينها في الضغط على الشركة واستعادة عدد من الحسابات، قبل أن تتطور إلى مبادرة متخصصة برصد الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني.
وأكد أن منصات التواصل الاجتماعي شهدت تغيرات “جذرية وبنيوية” خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة باعتبارات سياسية وتجارية، ما أدى إلى تضييق مساحات حرية التعبير أمام الفلسطينيين، معتبرًا أن “من يمتلك التقنية اليوم يمتلك التأثير والسردية”.
كما أشار إلى أن الخوارزميات الرقمية تمنح أفضلية للمحتوى المثير للغضب والخوف لأنه يحقق تفاعلًا أكبر، وهو ما يساهم في انتشار المحتوى المضلل وخطاب الكراهية على حساب المحتوى الإعلامي المهني والموثوق.
بدورها، أكدت كناعنة أن التضليل الإعلامي لا يقتصر على نشر الأخبار الكاذبة، بل يشمل أيضًا طريقة اختيار المعلومات وصياغتها وتأطيرها، إضافة إلى دور خوارزميات المنصات في تقييد المحتوى أو حذفه، خاصة المحتوى الفلسطيني.
وأوضحت أن خطاب الكراهية والمعلومات المضللة يتركان آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة على الصحفيين والنشطاء وصناع المحتوى، حيث يؤديان إلى الإحباط وفقدان الثقة بجدوى العمل الإعلامي، فضلًا عن حملات التشهير والاستهداف الشخصي، خصوصًا ضد النساء الناشطات.
وفيما يتعلق بأخطاء النشر، شدد الرفاعي على ضرورة أن تعترف المؤسسات الإعلامية بأخطائها وتعتذر للجمهور عند نشر معلومات مضللة، معتبرًا أن ذلك يعزز مصداقيتها في عصر السوشال ميديا، إلى جانب أهمية مراجعة أسباب الخطأ والتعلم منها لتجنب تكرارها مستقبلاً.
من جانبها، دعت كناعنة إلى إعادة النظر في مفهوم “السرعة” في العمل الإعلامي، معتبرة أن السعي وراء السبق الصحفي دون تحقق كافٍ قد يؤدي إلى تعزيز الانقسام ونشر الفتن، خاصة في ظل الأزمات والصراعات المتشابكة في المنطقة. كما شددت على أهمية “النشر المتدرج” للمعلومات المؤكدة فقط، مع تطوير الأخبار بشكل مستمر وتحديثها بالمعلومات الدقيقة والموثوقة.