أكد مختصون في الإعلام الرقمي والتحقق من المعلومات أن انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد ظاهرة عشوائية، بل أصبح جزءًا من حملات ممنهجة تُدار ضمن سياقات سياسية واجتماعية وأمنية معقدة، مستفيدة من طبيعة الخوارزميات الرقمية وسرعة التفاعل على المنصات المختلفة.
وخلال حلقة من بودكاست “تشويش”، أوضح الدكتور بكر عبدالحق من منصة “تحقق” أن عملية رصد التضليل وخطاب الكراهية لا تعتمد فقط على متابعة المنشورات المتداولة، بل تستند إلى معايير مهنية مرتبطة بالشبكة الدولية لتقصي الحقائق IFCN والشبكة العربية AFCN، حيث يتم اختيار المحتوى وفق معايير تتعلق بحجم انتشاره وتأثيره والضرر الناتج عنه وقابليته للتحقق.
وأشار عبدالحق إلى أن البيئة الفلسطينية تُعد بيئة خصبة لانتشار التضليل بسبب تعقيداتها السياسية والجيوسياسية، والانقسام الداخلي، والحروب المتكررة، ما يؤدي إلى تدفق هائل للمعلومات الصحيحة والمضللة في الوقت ذاته، ويخلق حالة من الإرباك وفقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية، خاصة خلال الأزمات والحروب.
من جانبه، قال مدير ومؤسس شبكة “سوشل ستوديو” حسان جدة إن منصته تعتمد على تحليل كمي ونوعي للمنشورات العامة والتفاعلات الرقمية، بهدف فهم طبيعة الخطاب المنتشر على المنصات، موضحًا أن التحليل يشمل عدد المنشورات، وحجم التفاعل، والمشاعر المرتبطة بالمحتوى، إضافة إلى دراسة أنماط السلوك الرقمي للمستخدمين.
وبيّن جدة أن هناك مؤشرات تقنية تساعد في التمييز بين “الزخم الحقيقي” و”الزخم المصطنع”، مثل دراسة توقيت النشر، وكثافة التفاعل، وتاريخ إنشاء الحسابات، وأنماط إعادة النشر المتكررة، الأمر الذي يسمح بكشف الحسابات الوهمية أو ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني” والجيوش الرقمية المنظمة.
وأوضح أن بعض الحملات تُدار عبر حسابات حقيقية لكنها مؤدلجة سياسياً، فيما تُستخدم في حالات أخرى شبكات حسابات وهمية لتضخيم رسائل محددة أو صناعة “ترند” مصطنع، خاصة على منصات مثل “إكس” و”تيليغرام”، من خلال نشر رسائل متطابقة خلال فترات زمنية قصيرة للغاية.
وفي سياق متصل، حذر عبدالحق من خطورة “السياق المضلل” أو “الاجتزاء”، موضحًا أن أخطر أشكال التضليل هي تلك التي تعتمد على معلومات صحيحة جرى إخراجها من سياقها الزمني أو السياسي، أو تم تطعيمها بجزء مضلل، ما يجعل كشفها أكثر صعوبة ويزيد من قابلية الجمهور لتصديقها.
وأشار إلى أن المصطلحات المرتبطة بالتضليل تطورت مع تطور البيئة الرقمية، فبعد الحديث سابقًا عن “الأخبار الكاذبة”، بات النقاش اليوم يشمل “المعلومات المضللة” و”المعلومات الضارة” و”التلاعب بالمعلومات”، خاصة في ظل الحروب الحديثة التي أصبحت فيها المعلومات أداة وسلاحًا ضمن ما يعرف بـ”الحروب الهجينة”.
كما تطرق المشاركون إلى أزمة الإعلام الرسمي الفلسطيني، معتبرين أن كثيرًا من المؤسسات الإعلامية لا تزال تتعامل مع منصات التواصل بعقلية الإعلام التقليدي، ما يقلل قدرتها على المنافسة والتأثير، ويترك فراغًا تملؤه منصات غير فلسطينية أو حسابات فردية تقدم روايات بديلة أكثر جذبًا وتفاعلًا.
وأكد جدة أن تجاهل بعض القضايا أو الأحداث المثيرة لاهتمام الجمهور يدفع الناس للبحث عن المعلومات من مصادر أخرى قد تكون مضللة، مشددًا على ضرورة تطوير خطاب إعلامي فلسطيني قادر على التفاعل مع طبيعة المنصات الرقمية دون التخلي عن المهنية والدقة.
وفي محور خطاب الكراهية، لفت المتحدثون إلى تصاعد الاستقطاب المجتمعي والسياسي في فلسطين، وازدياد استخدام المصطلحات التمييزية والوصم الاجتماعي عبر المنصات الرقمية، سواء على أسس سياسية أو جغرافية أو اجتماعية، محذرين من أن هذا الخطاب لم يعد يقتصر على الفضاء الرقمي بل بدأ ينعكس على الواقع المجتمعي بشكل مباشر.
وأشار عبدالحق إلى أن بعض المصطلحات التمييزية أصبحت متجذرة في الموروث الشعبي والثقافي، ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا، بينما أوضح جدة أن الجهات التقنية تحتاج دائمًا إلى خبراء وباحثين مختصين لتحديد وتصنيف المحتوى الذي يندرج ضمن خطاب الكراهية.
واختتم المشاركون بالتأكيد على أن مواجهة التضليل وخطاب الكراهية تتطلب تعاونًا بين المؤسسات الإعلامية، ومنصات التحقق، والباحثين، وخبراء التكنولوجيا، إضافة إلى تطوير خطاب إعلامي فلسطيني مهني قادر على استعادة ثقة الجمهور ومواجهة الحملات المنظمة في الفضاء الرقمي.