مقالات

هل كانت شيرين أبوعاقلة ضحية التوترات السياسيه الإقليميه؟ قراءه لعملية الاغتيال

بقلم: دكتور مؤنـس أبوعصب

يعرف الفلسطينيون جيداً أن إسرائيل لا تحتاج لإي مبرر لإراقة الدم الفلسطيني. فمن النادر أن يخلو مرورَ يوم من دون سقوط شهداء أو جرحى على يد الآلة العسكرية الاسرائيلية. ومن الممكن بكل سذاجة وبراءة اعتبار استشهاد الصحفية الفلسطينيه شيرين أبوعاقلة يوم 11 أيار/مايو وإصابه زميلها الصحفي علي السمودي حادثة أُخرى من مسلسل الذبح المستمر للشعب الفلسطيني. لكن الضحية هذه المرة ليست ضحية “عادية” وكذلك تاريخُها المهني ليس بسيطاً! فهي كانت مراسلة قناة الجزيرة القطرية من فلسطين لمدة 25 عاماً مضت، وقامت بتغطية أحداث جسيمة في التاريخ الفلسطيني كانتفاضة الاقصى، ومعارك مخيم جنين، واقتحامات المسجد الأقصى المتككره من قِبل الصهاينة المتعصبين، وغيرها من الاشتباكات والمناوشات على مدار ربع قرن. وبالتالي، كانت الشهيدة معروفه على مستويات واسعه فلسطينياً، عربياً، وحتى عالمياً. فكيف، وبكل بساطة ولكن بحرفية تامة، يقوم قناص جيش الاحتلال الاسرائيلي بإطلاق رصاصة قاتله على رأسها وهي ترتدي خوذة وسترة واقيتين من الرصاص ومعنونينِ بكلمة “صحافة”! هذا ليس حادث اغتيال عادي ليمر علينا دون تمحيص وقراءه تحليليه لأن هناك دلالات كافيه تترجى منا ان لا ندعها بدون استنتاج.
الرصاصة التي قتلت شيرين أبوعاقلة لم تكن رصاصة عادية؛ فهي رصاصة من النوع المتفجر الباهظ الثمن وعادة تدمر وببشاعة الأعضاء الداخليه وتقتل المصاب بها في أغلب الاحيان. إن الأذى الداخلي الكبير الذي حصل لجمجة شيرين أبوعاقلة يدل على إستخدام رصاصة متفجرة لقتلها. هذا النوع من الرصاص يُحرَّمُ إستخدامه حتى في الحروب. لذلك، فانه من الممكن الاستنتاج بشكل معقول أن فرقة الجيش الإسرائيلي التي دخلت جنين في هذا اليوم المشؤوم كانت فرقة اغتيال مجهَزَه ومدربَه للقتل وليس لاعتقال مشتبة بهم في المخيم. لقد كانت فرقة الاغتيال هذه على مسافة 150 متراً فقط من فريق الجزيرة عندما أُطلقت النار على المجموعة، و هذه مسافة تعتبر قصيرة جداً لقناص مدرب على إصابة الهدف بدقة من على مسافة تزيد عن 1000 متر. هذا يفسر وبكل بساطة دقة الاصابة القاتله لشيرين أبوعاقلة—تحت حافة الخوذة ولكن في مَقتَل. إضافة إلى ذلك، كانت الاوضاع هادئه في المحيط، فلم يكن هناك اشتباك بين المقاومين الفلسطنيين في المخيم وبين فرقة الإغتيال الإسرائيلية (عرفت الفرقة فيما بعد باسم دوبدفان)، ولم يكن هناك تهديد لحياة الجنود الإسرائيليين، ولم يُصب أي منهم كما أفادت الصحافة الاسرائيلية نقلاً عن الجيش. فلماذا إذناً إِستهدفَ قناصه الجيش الإسرائيلي بالرصاص المتفجر طاقم قناة الجزيرة بالذات؟!
أنا لا أظن ولو للحظة واحدة أن إستهداف طاقم الجزيرة كان عبثياً، أو أنه كان نتاج قرار فردي لجندي على الأرض قرر تفريغ حقدة على الفلسطنيين بقتل بعض صحافييهم برصاص باهظ الثمن وببندقية قنص. في رأيي، هناك من فكر بايصال رسالة دم في هذا اليوم بالذات، فحدد الهدف بتمعن، واتخذ قرراً بالقتل. إنّ ما حدث لفريق الجزيرة ربما جرى التخطيط له على أعلى مستوى في حكومة إسرائيل (ومن المحتمل أيضاً تورط حكومات أُخرى)، وأُراهن أنّ رئيس الوزراء وافق على قرار الاغتيال. في إسرائيل، يجب على رئيس الوزراء أن يوقع على كل اغتيال. فلماذا اختارت المؤسسة الاسرائيلية الرسمية بعض أفراد فريق الجزيرة للتصفية أو لِنَقُل قتل رمزه المعروف المتمثل في شيرين أبوعاقلة؟!
دعونا ننظر إلى الأحداث المصاحبه لهذا اليوم لعلنا نستطيع أن نجد علاقة سببية ولو حتى واهية بينها وبين عملية إغتيال شيرين أبوعاقلة. طبعا الأحداث في يوم 11 أيار/مايو كثيرة وخاصة الحرب في أوكرانيا والاقتصاد العالمي المنزلق بسرعة إلى الهاوية. لكن هناك حدث غير عادي استوقفني، وهو زيارة أمير قطر تميم بن حمد للعاصمة الإيرانيه طهران. هذه الزيارة تأتي بعد زياره الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي الى الدوحة في شهر شباط/فبراير. وحسب ما أفادت وكالة “إرنا” الايرانية، رَأسَ أمير قطر في هذة الزيارة وفداً سياسياً واقتصادياً رفيع المستوى لمتابعة الاتفاقات السياسية والاقتصادية التي تم التوصل إليها بين البلدين خلال زيارة الرئيس الإيراني الأخيرة إلى الدوحة. دولة قطر تحسب على المحور الأمريكي وتدور في فلكه منذ قيامها وتوجد قرب عاصمتها الدوحة واحدة من أكبر القواعد العسكرية الامريكيه (قاعدة العديد في السيليّة)، و بالتالي فإنه من المفروض أن تكون قطر حليفاً لمعسكر أعداء إيران لا أن تعقد إتفاقاتٍ سياسيةً وإقتصاديةً! فلماذا هذا التجاذب المفاجيء مع إيران والتخطيط بعيد المدى؟ وماذا يعني هذا التقارب لأعداء إيران اللدودين كإسرائيل، والسعودية، ودولة إلامارات الذين يشكلون حلفاً مناوئاً لإيران؟
هل الهجوم الذي تعرض له فريق قناة الجزيرة هو رسالة تذكير لأمير قطر في يوم زيارته لإيران بأنه قد أغضب الثلاثي المذكور بهذا التقارب مع إيران؟ أو أنه تهديد للأمير بانه قد يلقى نفس مصير شيرين أبوعاقلة؟ وبالتالي هناك رصاصة متفجرة أخرى مكتوب عليها اسم تميم بن حمد؟
سواء كان هذا التفسير منطقياً أم لا، فإن إغتيال شيرين أبوعاقلة لا زال يبحث عن تفسير لإن عبثية إغتيالها قد تكون أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي فلسطيني تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

بثسدا، مريلاند، الولايات المتحدة الأمريكية

زر الذهاب إلى الأعلى